تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٣٥مقدمة في أهمية هذا الموضوع وفائدته
35
ففي هذه الواقعة عطل المفهوم وقدم المنطوق عليه، فقد استثمر الفقهاء هذه المسألة المنطقية في الاجتهاد الفقهي.
مثال ثان دلالة الاقتضاء وهي دلالة التزامية منطقية وقد استثمرها الفقهاء في
فهم النص، مثال ذلك: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فظاهر الحديث أن المرفوع ذات الخطأ وذات النسيان لكن هذا الظاهر غير مراد لأنه يلزم عنه نسبة كلام الشارع إلى الخلف فقدروا لفظة إثم؛ وقالوا: هذا المقتضى بوزن اسم المفعول والمقتضي بالكسر أي الحامل على هذا التقدير ضرورة صون كلام الشارع عن الخلف.
مثال ثالث: دلالة الإشارة وهي عند المناطقة دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للشارع، مثالها قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] مع قوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] فإنه يلزم من ذلك أن تكون أقل مدة الحمل ستة أشهر لأننا إذا أنقصنا مدة الفصال وهي الرضاع ومقدارها عامان بقي من مجموع الثلاثين ستة أشهر. فهذا لازم إشاري منطقي وظف في استنباط حكم شرعي.
مثال رابع: مبحث العام والخاص من مباحث المنطق وقد استثمره الأصوليون في فهم نصوص الشريعة.
واستنبطوا من هذه القواعد دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية وبنوا على ذلك
فروعاً فقهية تفوق الحصر.
مثال خامس: نظرية الحدود هي من عيون مسائل المنطق وقد استثمرها الفقهاء والأصوليون والمفسرون واللغويون في معرفة الماهيات الشرعية واللغوية، ومعرفة الحد ضرورية لأن التصور قبل التصديق ومسائل الشريعة نصفها يقوم على معرفة الحد وأنواعه وشروطه وأحكامه.
وَقُلْ مثل هذا في مباحث المشترك ومباحث القياس والبراهين.
(1) الحديث في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (11416) بلفظ: «إن الله تجاوز عن أُمتي».