تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
الجزء ١ · صفحة ٤٢٢422
تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه
ثالثاً: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا … ) الآية [فاطر: 32 (33) أن الضمير في يدخلونها يعود إلى الصنف الأخير وهم السابقون بالخيرات وليس إلى الجميع.
وقد أجاب الجمهور عن هذه المناقشة بما يلي:
1 - أما الأخبار فهي من قبيل المتواتر المعنوي لكثرة ما صح منها بألفاظ مختلفة تجمع في معنى كلي وهو أن صاحب الكبيرة لا يخلد في جهنم.
2 ـ وأما تقييد المشيئة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالك لِمَن يَشَاءُ) بقوله تعالى: {وَإِنِي لَعَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى * فغير مسلم بل إن قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ) خاص فيمن تاب وليس النزاع في ذلك إنما النزاع
فيمن مات ولم يتب فهل يغفر الله له؟ فالذي أخبر الله به أنه داخل تحت المشيئة. 3 ـ أما قولهم باحتمال عود الضمير في قوله تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إِلَى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ .. فأجابوا عنه بأنه احتمال بعيد لا يسعفه السياق لأن الله أخبر عنهم بعد ذلك أنهم قالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: (34)، فإن هذا يدل على أنهم قد محصوا في أرض المحشر وعذبوا وهذا يناسب العصاة وليس السابقين بالخيرات. وعلى كل حال فكل فريق قد أيد مذهبه بأدلة من الكتاب والسنة فخرج بما استدل به عن كونه أقحم في دين الله بدعة اعتقادية إذ لا تبديع مع الاجتهاد والتأويل، لا سيما الإباضية فإنهم لم يكفروا في هذه المسألة تكفير ملة بل تكفير نعمة، فلم يستحلوا دماء أصحاب الكبائر ولا أموالهم ولا أعراضهم، بل رأوا الاحتياط لدينهم من الكبائر الذي أثر في سلوكهم وجعلهم يحتاطون كثيراً من اقتحام حمى محارم الله تعالى هذا لسان حالهم ومقالهم، وهذا ما ميزهم عن الخوارج الذين تعاملوا مع أصحاب الكبائر معاملة المشرك المرتد عن الدين وأما الجمهور فإن لسان حالهم ومقالهم يقول: إن الله أعْدلُ وأكرمُ من أن يُسَوّي بين المسلم العاصي وبين من لم
ينطق لسانه في دهره كله بـ «لا إله إلا الله محمد رسول الله والله أولى واعلم.