تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه عند الإباضية والأشاعرة والمعتزلة والحنابلة محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

الجزء ١ · صفحة ٤٦

46

تأثير العلوم العقلية واللغوية في أصول الفقه

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على هذين الأصلين فقال: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسُنَّة رسوله». وكان بسُنته القولية البيانية والفعلية يبين للمسلمين ما هو عام وما هو خاص وما هو مطلق وما هو مقيد ولولا هديه ما عرف العلماء الخاص من العام ولا الناسخ من المنسوخ فقد روى أهل الأصول أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98]، جاء ابن الزبعرى فقال:﴾ يا رسول الله عبدت مريم والعزير فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك ما أغباك بلغة قومك إن ما لما لا يعقل»، وبعد ذلك نزل التخصيص بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم منَا الْحُسْنَ أُولَيكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101].

وبالإضافة إلى ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل القياس ليعلم أمته على أنه طريق صحيح موصل إلى معرفة حكم الله تعالى.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في غنية عن معرفة القواعد والضوابط الناظمة لأحكام الشرع لأن رسول الله كان ينبئ أظهرهم يجيبهم إذا سألوه ويبين لهم ما أشكل عليهم من كتاب الله وسنة رسوله فكان يبين لهم محكم القرآن من متشابهه وعامه من خاصه ومطلقه من مقيده وناسخه من منسوخه وقد علمهم القياس وإلحاق الفرع بأصله. وقد اعتنى الإمام ابن القيم بأقيسة النبي.

فقد ذكر أنواعاً من القياس مثل قياس الأولى وذلك فيما رواه ابن عباس ما أنه جاء رجل ـ وفي رواية: امرأة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أُمي ماتت وعليها صوم أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يُقضى)

فالنبي الحق حقوق الله بحقوق الآدميين في وجوب القضاء (2). وجعل القضاء في حقوق الله أولى فهو من قياس الأولى وهو ما كانت العلة فيه في الفرع أولى منه في

(1) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم 240/ 2.

(2) الفتح المبين» 15/ 1.