الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٠فصحّ أنها لا توجب التعقيب، وكذلك أيضا لو أن رجلا قال: "إن دخلت مكة فلأشرين مصحفا وكتابا": فربما اشتراه(1) بعد دخوله بمدة طويلة، فوجب أن الفاء لا تقتضي التعقيب، والذي يبين ما ذكرناه قوله - عز وجل -: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:245]، والقرض من العبد إنما هو في دار الدنيا، والضعف من الله للمقترض(2) إنما هو في الآخرة، فصح ما قلناه بدليل القرآن، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف:4]، فهذا دليل على أنّ الفاء لم يوجب التعقيب؛ لأن البأس(3) قبل الهلاك. ودليل ثان يدل على صحة ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، إنما هو رفع على الابتداء ولم ينصبه على إعراب الأمر، وجواب الأمر لا ينصب إلا بإضمار "أن" المفتوحة، ولا تضمر "أن" إلا في فعل لم يمض معناه، ألا ترى أنك تقول: "ذهبت حتى أدخلها" في معنى دخلتها، فترفع "أدخلها" حين كان معناه ماضيا، ولم تضمر "أن" وكان المعنى كن فكان، هكذا يرفع عن(4) أبي حاتم(5) السجستاني، ووجدنا عن أبي عبيدة في قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ إن رفع؛ لأنه (ع: أنه) ليس هو عطفا على الأول، ولا فيه شريطة فيجازى به، إنما أخبر الله تعالى أنه إذا قال: "كن" كان، واعلموا أن الفاء تكون
(1) ث: شراه.
(2) ث: للمقرض.
(3) هذا في ث. وفي الأصل، ق: الناس.
(4) زيادة من ث.
(5) هذا في ث. وفي الأصل: خاتم.