الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٨/413/ الشياطين والجن فركبت فيهم العقول والشهوات والهوى كما ركبت في بني آدم، فغلبت شهوات الشياطين على عقولهم فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة: كالكبر والعجب والفخر والحسد والأذى والأفعال المهلكة. وأما البهائم: فقضت أوقاتها بشهوات البطون والفروج. وأما الآدميون ففيهم العقول وأخلاق الشياطين وشهوات البهائم، فمن غلب عقله منهم على هواه فكأنه من عالم الملائكة والأنبياء والرسل والأولياء والأصفياء وقليل ما هم. ومن غلب هواه وشهوته على عقله، ولم يخرج من الحلال والمباحات من المطاعم والملابس والمراكب والمناكحات إلى شيء من المحرمات فهو من عالم البهائم، إلا أنّ البهائم لا تكليف عليهن، وهذا من جملة المكلفين. وإن كان الغالب عليه أخلاق الشياطين من: الكبر والحسد والعجب وسائر الأخلاق المذمومة، فهذا من عالم الشياطين، فمن اجتمع فيه من الآدميين الشهوة واتباع الهوى والأخلاق المذمومة فيكون شيطانا في صورة آدمي في أخلاق بهيمة، لا يصلح لصحبة ولا قرب، فهذا شرح ما ذكر، والله أعلم.
مسألة: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العاقل من غلب شهوته»(1) صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقول: إنّ العبد /414/ لا يقدر أن يجلب لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضررا، فمن سبق له من الله تعالى السعادة جعل له عقلا مبصرا يقوده إلى ما فيه نفعه ويمنعه عن ما فيه ضرره، بتوفيق الله تعالى وتأييده وإرشاده له وتسديده، فالخير كله من عند الله، ولا يصرف الشر إلا الله، وهو القادر على كل شيء،
(1) أخرجه النسائي في الكبرى بلفظ: «إنّ الشديد ليس من غلب الرجال ولكن الشديد من غلب نفسه»، كتاب عمل اليوم والليلة، رقم: 10156.