الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٢٥الباب الثامن في المشيئة
من كتاب الكشف والبيان، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:13] الآية، وفي ذلك دليل على أنّه لم يفوّض الأمر إلى عباده، ليستدلّ كلّ امرئ منهم بمراده، كما زعم الملحدون في آياته، المنكرون لأحكام كتابه، إذ قالوا: فقد شاء الله تعالى من الخلق أن يؤمنوا، وكره منهم أن يكفروا؛ فأحبّ الكافرون لأنفسهم أن يكفروا وكانت محبتهم غالبة لمحبّته، ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته فهم إن شاؤوا أن لا يكفروا نفذت مشيئتهم والله تعالى عندهم قد شاء من الخلق أن لا يكفروا فلم تنفذ مشيئته وإرادته، وأراد أن يؤمنوا فلم تبلغ إرادته، وكيف يكون ذلك وهو - عز وجل - يقول: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:125]. أفليس في هذا القول دليل لأولي التّمييز والأبصار، على أنّه لا يستطيع من سبق له الخذلان، لأن يدخل في ملّة أهل الإيمان، إلاّ بمشيئة الله تعالى، لا سابق لأمره، ولا راد لحكمه، ولا مضاد له في مشيئته، خالق الخلق، ومدبّر الأمر، تعالى الله عمّا يقول المبطلون علوّا كبيرا.
وعن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «سبق العلم وجف القلم وقضى القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرّسل والسّعادة من الله لمن آمن واتّقى، والشّقاء لمن كذّب وكفر، وبولايته للمؤمنين وبراءته من المشركين، وتوبته منه عليهم إن تابوا