قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٢٥٢

وأمّا قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [المدثر:31]؛ فقد بيّنا معناه فيما تقدم، وأنّه يعني به أنّه ينزل آية متشابهة فيقبله المؤمن ويؤمن به على ظاهره، والذي في قلبه مرض يدفعه ويقول: لم قال: كذا ولماذا لم يقل: كذا؟ وأي معنى فيه، وما الغرض فيضلّ بذلك عن الدين، وإنمّا أضاف إلى نفسه من حيث ظهر ضلاله عند إنزاله ذلك أو عند تكليفه ما كلّفه، فصار كأنّه الموجب لضلاله.

وأمّا معنى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الرعد:7] الآية فيحتمل وجوها:

أحدها: أن يعني به آية موجبة للعلم الضّروري، سألوا إنزال آية من تلك الآيات فأمر نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبهم بأنّ الله يضلّ من يشاء، يعني لو أنزل ما سألوا لزال التّكليف، وفي زوال ذلك زوال الثّواب والعقاب، ولكنّه يكلّف على سبيل الاختيار، فيعذّب الكافر لاختياره /92/ الكفر، ويهدي إليه من أناب.

والثاني: إنّه تعالى إنمّا يكلّف العباد ما هو أصلح لهم وأدعى لهم إلى الإيمان، فلو أنّه أثاب الكلّ لهدى الكل، ولو أنّه كان يضل على سبيل الابتداء لما كان لقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:27] معنًى ولا فائدة، وإنمّا أضاف ضلالهم إلى نفسه على ما بيّناه وشرحناه.

وأمّا قوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [فاطر:8]، فإنّ في الآية خلافا؛ لأنه ليس لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن﴾ جواب، فكأنّه قال: أفأنت تنقذ من زيّن له سوء عمله، ثم قال: فإنّ الله يعذّب من يشاء ويثيب، ويجوز أن يعني به أنّه المكلّف لهم ما يتبيّن ضلالهم من هداهم، فأضاف ذلك إلى نفسه على ما بيّناه. انقضى ما نقلناه من كتاب ركن الدين

٢٬٠٦٢ / ٣٦٬٧٥٥