الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٥١بلسان قومه كي يبيّن لهم فيهلك بعد ذلك ويعذّب من يشاء من الكافرين الرادّين على الرّسول.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:8]؛ فقد بيّنا أنّه يحتمل وجهين.
فإذا عنيت به أنّه لو شاء لجمعهم جبرا على ملّة واحدة، فإن قوله: ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93] يعني أنّه لو حكم على ذلك جبرا، لزال التّكليف، ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93]؛ يعني: ولكن يكلّفهم ما به يبيّن ضلالهم وهداهم، وأضافه إلى نفسه على ما بيّناه، ويجوز أن يعني به العذاب، بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:8] لزال التّكليف، ولم يستحقوا عقابا ولا ثوابا، ولكن أعذّب من شئت، وأثيب من شئت بأن أكلّفهم ولا أجبرهم؛ كي يستحقّوا الثّواب إذا أطاعوا، والعقاب إذا عصوا.
فأمّا إذا حملته على المعنى الآخر، أعني: "لو شاء لجعل الجميع أمّة واحدة" بالأمر، ولكنّه خالف بينهم حتى يتبيّن المخلص من المرتاب، فيعذّب من يشاء منهم يعني من كفر، ويثيب من يشاء يعني من آمن، ويجوز أن يعني به أنّه خالف بين الملل كي يضلّ فريق، ويهتدي فريق؛ فيحكم على هؤلاء بالضلال، وعلى الآخرين بالهداية، وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى نفسه من حيث كان مكفيا به عند أمره، وجاريا عند تكليفه، بأنهّم ذلك على ما به بيّناه في غير موضع، ولا تعلّق في ذلك بقوله: ﴿مَن يَشَاءُ﴾ فقد قال: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [المائدة:40]، لم يجز أن يعذّب إلاّ المستحق العذاب، ولا يثيب إلا المستحق الثّواب، كذلك هذه.