قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣٣٥

وبعد: فإنّه يوجب كونه جسما وجوهرا يجيء ويذهب، ويقرب ويبعد، ويظهر ويخفى، وهذه صفة المحدثات، والعقل والكتاب والسنة والإجماع يبطل ذلك؛ لأنّه من دلالة الحدث، فأمّا معاني هذه الآيات فالله تعالى أقام نفسه مقام غيره في كثير من المواضع، وحذف المعنى نحو قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:26] الآية. وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، يقتضي: هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم عذابه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾؛ أي: وجاء أمر ربك، وقد بيّنا أن الحذف في مثل ذلك جائز إذا كان هنالك مانع عن الجري على الظاهر [أو يستحيل الجري على الظاهر](1) نحو قوله تعالى: ﴿وَسْ‍ئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:82]، لما استحال سؤال نفس القرية علم أنّ المراد به سؤال غير القرية، وهو أهلها كذلك لماّ استحال المجيء والإتيان والانتقال عليه بدلالة العقل، ويكون من جاز عليه ذلك محدثا وجب تعليق المجيء والإتيان بغيره وهو أمره وعذابه.

وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ قال: أراد به إتيانهم إليه بوعده ووعيده، وأنّ الله تعالى يكشف لهم عن أمره كان مستورا عليهم، والله تعالى معهم في كل حال وفي كل مكان، فهم يرون من أهوال الغمام في غيره ومن الملائكة، وما شاء الله من خلقه.

وروي عن الحسن في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ قال: عَني به: جاء وعد ربك بالحكم وبالثواب والعقاب، وكذلك روي عن الضحاك مثله، وأنّه

(1) زيادة من ث.

٢٬١٤٠ / ٣٦٬٧٥٥