الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٠٤الباب الثّاني والثّلاثون في تسبيح الجمادات وتكليفها ونطقها، وكذلك البهائم
ومن كتاب ركن الدّين الذي هو عن المعتزلة؛ قال: ومن ذلك فيما ادّعوه من أنّ جميع الأشياء تسبّح، وأنّ لجميع الحيوانات نطقا وكلامًا، فممّا تعلّقوا في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر:1] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:44]؛ قالوا: فدلّ ذلك على أنّ جميع الأشياء تسبّح لله وبحمده(1)، وهو ما تقوله.
الجواب: إنّه ليس يخلو الخصم من أن يريد بقوله: إنّ جميع الأشياء تسبّح التّسبيح المعقول، الذي هو قول القائل: "سبحان الله"، أو التّسبيح من جهة الدلالة، أو تسبيحًا غير معقول؛ فإن أراد التّسبيح الذي هو مسموع؛ فذلك غير صحيح، ولا يجوز ذلك من الجماد؛ لأنّه لو كان للجماد [نطق]؛ لم يكن بين الجماد والحيوان فرقٌ، وإنّما فرّقنا بينهما بأفعال الحيوان ونطقها، وبذلك يُعرف الفرق بين الحيّ والميّت.
وثانيها: إنّ الكلام المسموع إنّما يقع من المحدَث بآلة مخصوصة، مع سلامة الآلة بذلك عليه إن فقد الآلة أو عند اعترائها آفة يستحيل منه الكلام؛ فلو كان الكلام يصحّ منه عندما يذهب حسّه، وتعروه(2) آفة؛ لَمَا منعه ذلك من الكلام،