الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٠٥وفي /253 م/ علمنا ببطلان كلامه عند اعتراض الآفة؛ ما دلّ على أنّ مع فقد اللّسان لا يصحّ الكلام.
وثالثها: إنّ الكلام إنّما يُسمع مِن العالِم إذا كان قادرا عليه، ومهما كان الكلام منتظما دلّ على كونه عالِما، وباختلاط كلامه يحكم على قائله بالحمق والعمى والجهل، وبذلك يفصل بين العالم والجاهل؛ فلو كان يصحّ من الجماد الكلام المنتظم، كما يصحّ من الحيوان، ويصحّ من الجاهل صحّته من العالِم، ويصحّ من الأحمق صحّته من العاقل؛ لم يكن لنا سبيل إلى الفرق بين هؤلاء بأفعالهم وأقوالهم، وفي صحّة استدلالنا بما ذكرناه على الفضل(1) بينهم، أوضح دليل على فساد قول مَن أجاز الكلام منهم.
ورابعها: إنّا إنّما نعرف كون الغير حيّا بكونه جائزًا منه الفعل والعمل، ونعرف كونه عالِمًا بأفعاله المنتظمة، وصحّة كلامه، وترتيبه، ويعرف كونه قادرا بجواز الفعل منه؛ فلو صحّ الكلام على ترتيبه، ويعرف من غير الحيّ؛ لم يكن لنا سبيلٌ إلى معرفة كون الغير حيًّا، والفصل بينه، وبين ما ليس بحيٍّ.
والذي يدلّ أيضًا على أنّه لم يعْن به تسبيحا مسموعًا، لو أراد بذلك تسبيحا مسموعا، لقال: "ولكن لا تسمعون تسبيحهم"؛ فلما قال: ﴿وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ دلّ على أنّه يسبّح من غير جهة النّطق.
والذي يدلّ على ذلك أيضًا: أنّه لو أراد أنّ للجماد 253 س كلامًا مسموعًا، ولكلّ شيء مثل ذلك؛ لوجب أن يسمع ذلك لوجب أن نسمعه من حواسنا وجوارحنا، وفي علمنا بفساد ذلك دليلٌ على فساد قول القائل بذلك.
(1) هكذا في النّسختين. ولعله: الفصل.