الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧الباب العشرون في معرفة القياس وحصوله في صدور الناس
من كتاب العدل والإنصاف: اعلم أنّ الله تعالى خلق ابن آدم أطوارا في الرحم، ونفخ فيه الروح والنسم، ومكث في الرحم مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس به يستلذ وبه يتألم، بجمع مضار أمه مضارة، وجميع ملاذ أمه ملاذه، وربما تقع به الشواذ في الآلام والملاذ، لا شم ولا طعم، ولا سمع ولا بصر إلا الحس وحده، وغذاؤه من سرة أمه إلى سرته، لا بول ولا غائط، لا لعاب ولا مخاط ولا عرق؛ فلما حان حين خروجه أقلبه الله تعالى فخرج، فإن سبق رأسه ويداه كان مستويا، وإن سبقت رجلاه كان منكوسا، وهو اليَتْنُ. فلما انقشع عنه حجاب الرحم تألم لِمسّ الهواء كلَّ الألم؛ فصرخ. شعرا:
لِمَا تؤذن الدنيا به من صروفه … يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
علام بكى لما رآها وإنها … لأرحب مما هو فيه وأوسع
فجرت الحركة في مفاصله، وأبصر وسمع وذاق وشم، إلى ما تقدم 163 س من الحس والجس، فلما انجمعت له حواسه، وجرى حديث النطق في شفتيه ولسانه أظهر التأمل للناس، والنظر إلى صورهم، والاستماع إلى أصواتهم، ووقعت التفرقة بين الأب والأم، والحشم والخدم، وقرن الله تعالى به الملك صاحب اليمين؛ فكان في سياسته يلهمه ويعلمه. فلما استتم الانفصال والانفطام، ونقل إلى الشراب والطعام، نشج وبكى وشجى وشكى بعينه ما يلقى. فلما آيس أنِسَ واستأنس، ومكث في تعليم الكلام سبع سنين، وهو مع ذلك في حفظ صاحب اليمين؛ يلهمه ويلقنه، ويعلمه ويلسنه؛ فقرن به عند تمام سبع سنين صاحب الشمال؛ يرشده ويسدده، ويقويه ويؤيده تمام أربعة عشرة سنة.