الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٣٢٢ولكن العقلي إذا سلم من هذه الشوائب، ونظر بعين البصيرة ولا عين البصر، واستعمل الفكر وأنعم النظر، وصادف وجه الذكر، أدّاه اجتهاده ودليله إلى حقيقة الأمر؛ فصار الخفي كالجلي.
والقسم الأول رده بعد سماعه مكابرة العقول؛ ولذلك صار جليا. والثاني متعلق بالشروط؛ وشرطه أن يجعل عقله رقيبا على نفسه، ويأخذ عقله بالعدل على أبناء جنسه، ثم يشرع في الفكر؛ فإذا ما تفكر على ما يجب تذكر انتفاء الجنون عن من استقامت أفعاله، وصحة أقواله في كل شيء، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ لَم يأخذوا عليه في شيء إلا الذي جاءوا به؛ فلو لَم يجيء بهذا عندهم لكان أعظم العقلاء، فإذا استقامت أمور محمد - صلى الله عليه وسلم - كلها عندنا وعندهم إلا واحدة؛ ثم جاءهم بما لا يعرفون، ولا يعرفونه عند آبائهم، وينبغي أن يتهموا أنفسهم في الذي جاء به مفردا، ويتفكرون فيه إذا كانوا هم العقلاء، والأصل الذي جاءهم به أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد؛ فلينظروا، وهو من الجائزات.
وإن صح ما قال عظمت الآفة، وهلكت الكافة. وإن لم يصح ما قال لا ضرر ولا اضرار؛ فيصفونهم(1) بالعزم والحزم، ويسلموا من الاغترار والندم: شعرا:
قال المنجم والطبيب كلاهما … لا يحشر الأموات قلت إليكما
إن كان كذبا فاستراح جميعنا … أو كان حقا فالخسار عليكما
وقوله أصدق القائلين أبلغ وأنفع وأنجع، حيث يقول: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فُصِّلَت:52]؛ فهذه النكتة التي في هذه الآية هي شرح نفس الآية الأولى التي تقدمت؛
(1) في النسخ: فليتضعوهم. والتصحيح من العدل والإنصاف.