الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ٣٩٨لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال له: ادن منّي يا بنيّ؛ فدنا منه فالتزمه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على أمر ديني؛ فخرج عمر ولم يقل.
وقيل: وفد رجل من أهل الصلاح على عمر بن عبد العزيز فأنزله مع ولده عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وكان عبد الملك عزبًا، قال الرجل: فكنت معه في بيته حتّى صلّينا العشاء، وآوى كلّ رجلٍ منّا إلى فراشه؛ فلمّا ظنّ أن قد نمنا قام إلى المصباح فأطفأه وأنا أنظر إليه، وقام يصلي حتّى ذهب بنا النوم، قال: ثمّ استيقظت وهو يقرأ: ﴿أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:205 - 207]، ثمّ بكى ثمّ رجع إليها، ثمّ بكى، ثمّ لم يزل كذلك حتّى قلتُ: /447/ سيقتله البكاء؛ فلمّا رأيتُ ذلك قلتُ: سبحان الله، والحمد لله، كالمستيقظ من النوم لأقطع عنه ذلك؛ فلمّا سمعني ألبد(1)، فلم أسمع له حسًّا.
وقيل: لمّا دفن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز في قبره؛ استوى عمر قائمًا، وأحاط به الناس، فقال: والله يا بنيّ؛ لقد كنت برًّا بأبيك، والله ما زلتُ -مذ وهبك الله لي- مسرورًا بك، ولا والله ما كنت قطّ أشدّ سرورًا، ولا أرجى(2) لحظي من الله فيك مذ وضعتك في المنزل الذي صيرك الله إليه؛ فرحمك الله، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم الله كلّ داعٍ دعا لك بخير من شاهدٍ وغائبٍ، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، والحمد لله ربّ العالمين، ثمّ انصرف. وفضائل عبد الملك بن عمر أكثر من هذا.