الجزء 13
الجزء ١٣ · صفحة ٧٣العبّاس»(1)، ما ترك النّاس الرّبا بأجمعهم، كما لم يتركوا شرب الخمر، وسائر المعاصي، حتى روي أنّ بعض أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - باع الخمر فقال عمر: لعن الله فلانًا، هو أوّل من سنّ بيع الخمر، إذ لم يكن قد فهموا أنّ تحريم الخمر تحريمٌ لثمنها، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ فلانا يجرّ في النار عباءة قد غلّها»(2)، وقتل رجل ففتّشوا متاعه؛ فوجدوا فيه خرزا من خرز اليهود، ولا يسوى درهمين قد غلّه، وكذلك أدرك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأئمة الظَّلمة، ولم يمتنع أحدٌ منهم عن الشّراء في السّوق بِسبب نهب المدينة، وقد نهبها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يزيد ثلاثةَ أيّام، وكان من يمتنع من تلك الأموال مُشارًا إليه في الورع، والأكثرون لا يمتنعون مع الاختلاط، وكثرة الأموال المنهوبة في أيّام الظّلمة، ومن أوجب ما لم يوجبه السّلف الصّالحون، وزعم أنّه تفطّن من الشّرع مما لم يتفطّنوا له؛ فهو موسوس مختلّ العقل، ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا؛ لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتّفاقهم كقولهم: إنّ الجدّة كالأمّ /78/ في التّحريم، وابن الابن كالابن، وشعرُ الخنزير وشحمه كاللّحم المذكور في القرآن، والرّبا جاز فيما عدا الأشياء السّتّة، وذلك محالٌ؛ فإنّهم أولى بِفهمِ الشّرع من غيرهم.
وأمّا القياسُ فهو أنّه لو فتح هذا الباب؛ لانسدّ باب جميع التّصرّفات، وخرب العالم، إذ الفسق يغلب على النّاس، ويتساهلون بِسببه في شروط الشّرع في
(1) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، رقم: 3074؛ وأحمد، رقم: 20695؛ والدارمي، كتاب المناسك، رقم: 1892.
(2) أخرجه أحمد بلفظ: «إني رأيته يجر إلى النار في عباءة غلها»، رقم: 328. وأخرجه بلفظ قريب كل من: مسلم، كتاب الإيمان، رقم: 114، والدارمي، كتاب السير، رقم: 2532.