الجزء 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٢الباب الرّابع عشر في آداب السّائل عند سؤاله للعالم
قال أبو سعيد: قد قيل -والله أعلم-: إنّه نهي أن يُستفتى في أمر الدِّين المعني فيه؛ من يعالج البول والغائط، أو ذا دُنيا قد أنزعه الاشتغال بِدنياه، أو ذا فقرٍ يكابد أمر فقره، أو ذا مصيبةٍ قد عرضت له في حين مصيبته؛ وإنّما كُره ذلك، ونُهي عنه باشتغال القلوب عن أمر الذي يسأل عنه؛ فإذا اشتغلت القلوب تكدَّرت عن أسباب الطّاعة، وإذا تكدّرت خيف أن يضعف نورها، وإذا ضعف النّور أظلم القلب، وإذا أظلم القلب أبصر بعين الظّلمة؛ فخيف أن يؤدّي إليه عينُ الظُّلمة غير الصّواب، وينطق بلسانه عن قلبه بما أدت إليه عين الظُّلمة في حين ذلك، وكانت تلك زلّة وفتنة؛ حتّى أنّهم قالوا: [لا يُسأل العالم إذا رأى](1) منه مللاً وكسلاً، وإنّما يُصطاد(2) منه حين نشاطه وحين إقباله؛ وهذا شيء مُبصَر.
وقد قيل عن بعض الفقهاء: "جَمِّمُوا القلوب" المعنى أنّه [لا] تكثروا من السّؤال على كلّ حال، وإنّما يُنظر له جَمَّةٌ(3) من المُسائل، وجَمَّةٌ من المسؤول؛ وإنّما هو(4) قلوب تؤدّي إليها الحواسّ، في حين ما يعرض لها النّظر، فربمّا عدمت نور الحواس باشتغالها ببعض المعاني؛ فلم تؤدِّ ما كانت تؤدّي عند الخلوة، والجَمّة،
(1) في منهج الطالبين للشيخ خميس الشّقصي: لا تسأل العالم؛ إذا رأيت منه.
(2) هذا في ث. وفي الأصل: يصطاط.
(3) الجَمام بالفتح الرّاحة وجَمَّ الفرسُ يَجِمُّ ويَجُمُّ جَمًّا وجَمامًا. لسان العرب مادة: (جمم).
(4) هكذا في النّسخ الثّلاث. ولعلّه: هي.