الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٧٤الإكرام، فقد قيل: لا يعرف فضل أهل العلم إلا ذو الفضل، وإذا أتى مجلسه أن يسلّم على أهل المجلس عامّة، ثمّ ليفرده خاصّة، ثمّ يجلس بين يديه متذلّلاً، وبوجهه عليه مقبلاً، وليقلل النّظر إليه، ويتواضع له، ويجلّله ويعظّمه ولا يسأله في أول لقية، بل يعاوده مرة بعد مرة، ثمّ يسأله التّعليم، فإن أجابه شكر له ودعا له، وإن منعه عذره وانصرف عنه، فربّما كان ذلك من العالم نظرا في أمره، واستبراء لرغبته، ثمّ ليعاوده صابرًا على استرداده، ولا يضجر؛ ليظفر بمراده، وليرفعه(1) في أقواله.
مسألة من كتاب الأكلة وحقائق الأدلّة: ويجب على العالم أن يتوسم المتعلم بفراسته؛ ليعلم بها استحقاق حالته، ومبلغ طاقته، فيعطيه ما يحتمله، ولا يزيده فيذهله، ففي ذلك راحة للعالم، واستراحة للمتعلم.
وينبغي للعالم /36 م/ أن لا يعجل ببذل العلم لطالبه في أوّل مرة، بل يردّده ثلاث مرات، ويعده، ولا يؤيسه منه، ولا يبعده، فإن وجده معاودًا طالبًا ومتردّدا راغبًا، أجاب مسألته وأعطاه بغيته، وإن وجده تاركًا للمعاودة فليس هو من أهل الفائدة؛ لأنّ الطالب عن رغبة صحيحة ومحبّته صريحة يحتمل الأذى، ويستقل الجفاء، ويزداد على الطلب حرصا، ولا يرى بذلك نقصا، ولا يستنكف عن المعاودة، ولا يتصرّف عن طلب الفائدة. وقد رُفِعَ عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة أنّه كان يتردّد إلى الشيخ أبي مالك ? طالبا للتّعليم وهو يدافعه دفعات، فلمّا تصوّر رغبته وتحقّق إرادته أقبل عليه وعلّمه وقرّبه وأكرمه.
فينبغي للعالم إذا رضي من جاءه للتّعليم أن يعلمه وأن لا يحرمه، وقد روي
(1) ث: ليرفق له.