الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٩في اللغة تخصنا محتاج إلى معناها باختصار.
فصل: ومنه: واختلفوا في القرآن هل فيه مجاز أم كله حقيقة لا مجاز فيه؛ قال بعضهم: هو كله حقيقة لا مجاز فيه؛ لأنه حق والمجاز باطل، وكيف يكون الحق مجازا؟ وهذا أخذ بظاهر القول أين ذهب به، والصحيح أن فيه المجاز، وليس بباطل، وإنما المجاز في اللفظ لا في المعنى، والمعنى المراد منه هو الحقيقة، قال الله - عز وجل -: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ [الكهف:77]، والإرادة من أوصاف الحيوان لا من أوصاف الجدران، والمعنى يريد أنه مال كأنه رجل همّ بالوقوع، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:57] فالله تعالى لا يتأذى ولا يناله الأذى، وقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:82] /48/ وقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور:35]. وقد يتعارف الناس في أسماء كانت في البداية مجازا رجعت بالعرف حقائق، كالغائط والنجو والنكاح والإيمان والكفر والنفاق والصلاة والزكاة والحج، وما أشبه ذلك، وقد غيرت الشريعة كثيرا من اللغة، وجعلتها حقائق في الشرع، ومجازا في اللغة، بعد ما كانت بالعكس، ومنه قوله - عليه السلام - لعمر بن الخطاب ?، وقد سأله عن الجنابة تصيب الرجل من الليل فقال له: «توضأ واغسل ذكرك»(1)؛ أراد غسل يديه ثم ذكره، ولم يرد وضوء الصلاة.
(1) أخرجه الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم: 145؛ والبخاري، كتاب الغسل، رقم: 290؛ ومسلم، كتاب الحيض، رقم: 306.