العقد النضيد على نكتة التوحيد لعمرو بن رمضان الجربي التلاتي جمال معطا الله [دارس عن الإباضية]

العقد النضيد على نكتة التوحيد

الجزء ١ · صفحة ٥

إن الحضارة مثلُ الشمعة تشتعل لتضيء قليلا، ثم تذبل وتموت، هكذا لخص أحد

فلاسفة التاريخ مفهوم الحضارة، ولا يتأتّى لنا إدراك هذا المفهوم إلا إذا أخذناه في شكله الكلي من دون إهمال أي عنصر من عناصر مكونات الحضارة الإنسانية. وحينما نذكر مصطلح الحضارة فإننا نجد أنفسنا نلامس عديد المفاهيم المتداخلة مع بعضها البعض كالثقافة والدين والقوانين والعادات والتقاليد والتراث … الخ، وإن كانت الحضارة في مظهرها العام توحي بعديد الدلالات أجدني أقرب إلى المدلول الذي يعتبر الحضارة هي ذاك الذي يميز جماعة عن جماعة أخرى، أو أمة عن باقي الأمم. فكانت تلك المميزات والخصائص بمثابة المعيار والميزان الذي نقيس به عراقة حضارة ما، لأن كل ما لم يوزن بالميزان لا يُعرَفُ فيه الرجحان من النقصان ولا الربح من الخسران.

6

ولعل المتأمل في تراثنا العربي يدرك أن هذا التراث تميز عن غيره بسمات جعلته بحق إرثا حضاريا وفكريا من الواجب الحفاظ عليه، والوقوف على عديد المواضيع التـ تناولها، ومن أبرز هاته السمات، طابع التنوع والتعدد، فلا نكاد نجد مجالا من مجالات المعرفة والفكر إلا وكان له نصيب في ثنايا مخطوطاتنا العربية، ومجرد إطلالة سريعة على فهارس المخطوطات القديمة كافية لنعرف إلى أي حد اتسم تراثنا بطابع التنوع والتعدد، فهذه كتب في الأدب واللغة والنحو، وأخرى في الفقه وأصول الفقه، وتلك في الفيزياء والفلك

والطب، وكذا كتب الفلسفة والمنطق وعلم الكلام الذي يبحث في أمور العقيدة والتوحيد

وغير ذلك كثير لا يقع تحت طائلة حصر

•

6

ومن بين تلك العلوم علم العقيدة والتوحيد، فالمقصود بذلك البحث في العقائد الدينية المكتسبة من الأدلة اليقينية، وما يتعلق بذات الله من حيث ما يجب له وما يستحيل في حقه وما يجوز، وذات الرسل كذلك، والممكن من حيث يتوصل به إلى وجود صانعه، والسمعيات من حيث اعتقادها أما ثمرة ذلك فمعرفة الله بالأدلة القطعية والفوز بالسعادة

الأبدية

إن علم العقيدة والتوحيد هو أشرف العلوم لكونه متعلقا بذات الله تعالى وذات رسله وما يتبع ذلك، بل هو أصل العلوم الدينية، وما سواه فرع منه حتى أننا نجد الرسول المصطفى الكريم يشير إلى ذلك في كثير من الأحاديث المروية عنه في هذا المجال، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد

1