الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٤الوجه الذي ربط بهِ بين هذين الحقلين المتباينَيْنِ (1) إِنَّ دعوةَ اللهِ تعالَى النَّاسَ إلى اتخاذ الشَّيطانِ عدُوًّا، وذلِكَ بصريح العبارة، فتح البابَ على نقل هذا الصراع إلى حقل الحرب الذي يقتضي عدوا وصديقًا، وغير ذلك، ومنه ما وقع مع لفظ الأسير؛ فالمسمّى "أسيرا" من يقبضه العدوّ بالسلاسل، والأغلال، فكيفَ للشَّيطان أن يأسِرَ الإنسان ويقيّدَهُ وما هِيَ أسلحته؟ وضَحَ الشَّارِحُ ذلِكَ بقولِهِ: «أَسَرَهُ الشَّيْطَانُ بِالذُّنُوبِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا». إِنَّ اقتراف الذُّنوبِ والمدَاوَمَةَ عليها ممّا يوقعُ في أسر الشيطان، هذا وجه العلاقة استعماله الأصلي واستعماله الجدِيدِ، بيَّنهُ الشَّارِحُ بإيجاز ودِقة دون تفصيل ممل، وهذا ديدنه في كلّ نصوصِهِ؛ إذْ يقدِّمُ الإشارة المباشرة لإصابة المطلوب دون التعمق في التفصيلات، ويتركُ للمتلقي تَتِمّةَ ما بَقِي مِن الشرح بحسَبِ ما. مستعد لَهُ. هو
بين
اللفظ
في
وقد أقرَّ الشَّارِحُ أنّ احتمال الألفاظ الشرعِيَّة لمدلولاتها لا يكون فقط من طريق المجاز، وإنّما يمكن اعتبارُ ذلِكَ حقيقة مخصوصةً بإطارها الشّرعِي، ويبقى للغوي اعتبارها مجازا بإجراء العمليّات المخصوصة به.
ولقد حملت مجموع هذه الظواهر الدلالية رحابة الفكر اللُّغوي لأطفيش، والتزامه بحرفية الكلام، وقاعدتهُ فِي ذلِكَ إقامة العلائق الدلالية بحسب التركيب الذي جاءت فيه المفردة دون إيغال ولا جمود، يقدّمُ ذلِكَ بنظرة سريعة أو ببسطة مطوّلة قليلًا.
ولم يقف البحثُ الدّلالي على هذه القضايا فقط، فممّا سجّلت حضوره قضيّة الفروق اللغويَّة، فِفِي نصّ طويل بيَّن أطفيش الفرق بين السّخاء والجود (2)، والخميصة والتّوب (3). ولكن هذا لم يشكّل ظاهرةً تفردُ بالدّراسة، كما أنّها لم تلامس نصوص القصيدة وما تعلَّقَ
بها، وإنّما أتت عرضا على الشَّرح لقصدِ الإفادة وتوسيع مجال البحث.
(1) تقومُ أهمية هذا الانتقال الدّلالِيّ لأنه حدث بين مجال حسِيّ إلى مجال معنوي غيبي.
(2) إجابة الدعوة [175 ظ].
(3) (م) س) [175].
131