الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٣والتَّعمِيم، وانتقال الدَّلالة من مجال إلى مجال (1)، وقد ظهر طرف
النصوص السابقة، وتقدّمُ النّصوص التالية تطبيقات أوضح.
من هذه القضايا في
قال أطفيش في بيان معنى "الذلّ" و"الكسر ": «وَ الذُّلُّ": ضُعْفُ الْقَلْبِ وَهَوَانُهُ، وَالمَرَادُ ذَلِكَ بِخُشُوعِ والكَسْرُ: كَسْرُ الْبَدَنِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقِفُ فِي الْحِمَى إِلَّا مُنْكَسِر الرَّأْسِ حَيَاءٌ، غَيْرَ عَابِثٍ بِجَوارِحِهِ، وَلَا نَاشِطٍ بها، ولا مُتَبَرِّجِ بِلِبَاسٍ أَوْ مَقَالٍ» (2). وقال في بيان معنى "العاني": «وَ العَاني": الأَسِيرُ؛ أَسَرَهُ الشَّيْطَانُ بِالذُّنُوبِ وَإِصْرَارِهِ
عَلَيْهَا، وَسُمِّيَ الأَسِيرُ عَانِيَّا؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ وَحَادِتْ فِيمَنْ أَسَرُوهُ» (3).
يمكن التعليق على النصين وما سبقهما من خلال النقاط التالية:
لا يَحْكُمُ انتقالَ اللَّفظِ مِنْ مَجَالٍ لآخَرَ علاقةٌ واحدةٌ، وإنَّما تتعدّد هذه العلاقات بتوسع المعجم العربي وتعدّد حقوله الدّلالِيَّة، كما أنَّ تسمية هذه العلاقة القائمة اللفظين أو بين المجالين تخضعُ للاجتهادِ والنَّظَرِ، فليس كل الأنظار ترى بنفس المقياس، حتَّى إنه يشهد على المستوى التنظيري آراء حول مظاهرِ التَّغيير الدّلالِيّ الذي يمس الألفاظ. والمحور الذي تدور عليه عمليَّة الانتقال هو الحقيقة والمجاز. ولقد أعطى الاستعمال الشَّرعِيّ لـ"الذلّ" و"الكسرِ" نقلةً دلالية إيجابية، بعد أن كانا يحومان في الحقل السلبي، والاستنقاص من قيمة الإنسان نبّه الشارح إلى هذه النقلة بربطِ اللفظين بما يدلُّ على الرفعة وعلوّ الشّأن (الخشوع، الحياء) لمن امتثل الوصفين بعد أن
بين مدلوليهما السلبيين.
إنّ انتقال لفظ "العاني" أو معناه "الأسِير" من الحقلِ الدّال على الحروب والمعارِكِ إلى مجال الحديث عن الذُّنوب والمعاصِي وَالشَّيطانِ ووساوسه، يدعو إلى البحث عن
العلاقة
(1) لقد تمت معالجة جزء من هذا المبحث في طرق شرح المفردات حين الحدِيثِ عن علة التّسمية، بحسبه مبحثا يتعلَّق بالنَّظرِ الألفاظ، ولكن في هذا المقام سأقتصر على ظاهرة نقل الألفاظ من حقل دلالي لآخر لعلاقة قائمة بينها، تسعى الدراسة إلى تجليتها وتوضيحها، وبالطبع ستكون نماذج الدراسة مِنَ الألفاظ التي انتقلت إلى المجال الشرعي.
في
بين
(2) إجابة الدعوة [40].
(3) (م) س) [2].
130