الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٦المدينةِ ثُمَّ تَرَكَ، والنَّبي والأَنْصَارُ الذينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللهِ الا الله من أولاد أولئك العلماء والحكماء. ولَمَّا هاجَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدِينَةِ جَعَلَ يَسْأَلُهُ أَهلُ القَبائل أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِم، ويَقولُ خَلُّوا عَنْ ناقتي، وكانُوا يَتَعَلَّقون بِهَا، خلُّوا النَّاقَة فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، حَتَّى جَاءَتْ إلى دار أبي أَيُّوب، وكانَ مِنْ أولادِ العالم الذي أَبْرَأَ تُبَّعًا بِرَأْيِهِ ثم اسْتَشَارَ الأَنصار عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي إِيصَالِ الكِتَابِ إِلَى النَّبِي الله لما ظَهَرَ خَبَرُهُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ، فَأَشَارَ عَبْدُ الرَّحمن أن يَدْفَعُوهُ إِلَى رَجُلٍ ثِقَةٍ، فَدَفَعُوهُ إِلَى أَبِي لَيْلَى مِنَ الأَنْصَارِ، وأَوْصَوْهُ بِحِفْظِهِ، فَأَخَذَ الكِتابَ وخَرَجَ مِن المدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ في قَبِيلَةِ بَنِي سُلَيْم (1) فَعَرَفَهُ رَسُولُ اللهِ الله، فَدَعَاهُ، وقَالَ: أَنْتَ أَبُو لَيْلَى؟ قالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَعَكَ صلى الله عليه وسلم
كتابُ تُبَّع الأَوَّل؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَقِيَ أبو لَيْلَى مُتَفَكِّرًا، أو قَالَ في نفسِهِ إِنَّ هَذَا مِنَ العُجَابِ. ثُمَّ قال أبو ليْلَى: مَنْ أَنْتَ، فإِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ؟ وتَوَهَّمَ أَنَّهُ ساحِرٌ، وقَالَ: فِي وَجْهِكَ أَثَرُ السِّحْرِ. فقال لَهُ: بَلْ أَنَا مُحَمَّد لوله لوله هاتِ الكِتابَ، فَأَخْرَجَهُ ودَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيءُ. قِيلَ فَدَفَعَهُ إِلى عَلِيّ فقرأَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم كلامَ تُبَّع، قال: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا لَيْلَى بالرُّجُوع إلى المدِينَةِ لِيُبشِّرَهُم بِالقُدومِ عَلَيْهِمْ (2). وفيه أَنَّهُ لا تَرَكَ عَلِيًّا على فِراشِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ لَحِقَهُ في بَنِي سليم. وذَكَرَ بَعْضُ أَنَّهُ فِي كتُبِ تبع الأَوَّلِ إسْلَامه وشعره: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ [36] أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَارِي النَّسَم فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وَابْنَ عَمْ (3) وخَتَمَهُ بالذَّهَبِ ودَفَعَهُ إِلى كَبيرِهِم، وسألَهُ أَن يَدْفَعَهُ النَّبِيء لها ولا إِنْ أَدْرَكَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ. وبَنَى للنَّبِي الله دارًا ينزِلُها إِنْ قَدِمَ، فَتَدَاوَلَ الملاكُ الدَّارَ إلى أَن صَارَتْ لِأَبِي أَيُّوب، وهُوَ مِن وَلَدِ ذلِكَ العالم. وأَهْلُ المَدِينَةِ الذِين نَصَرُوهُ كُلُّهُم مِنْ أَوْلادِ أولئكَ العَلَمَاءِ. ويُقالُ إِنَّ الكتابَ كانَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ النَّبي: فدفَعَهُ له (4). واللهُ أَعْلَم.
(5)
الفصلُ الرَّابع: [في مَنَازِلِ الْأَوْسِ والخَزْرَج وحُرُوبهُمْ] لمَّا فَرَغَ أبو جُبيلة مِنْ نَصْرِهِم وانصَرَفَ تَفَرَّقوا؛ فَنَزَلَ مِنَ الأَوْسِ بنُو عَبْدِ الأَشْهَل بنِ جُشَم بنِ
(1) بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان ولد بهثة، جمهرة أنساب العرب، ابن حزم، ص 261. (2) هذه القصة من (وكان تبع الأول .... ليُبشّرهم بالقدوم عليهم) نقلها المؤلف من كتاب ثمرات الأوراق، ابن حجة الحموي، ص 191–193. (3) البيتان من المتقارب. خلاصة الوفا، السمهودي، ص 169، والمعارف للدنوري، ص 631.
(4) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 169.
(5) مادة الفصل مأخوذة من خلاصة الوفا، السمهودي، ص 169. والعنوان قد ذكره المؤلف قبل بداية الفصل، وأدرجته هنا
للتوض
توضيح.
95