إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٦١

في

رأى خزيمة ذلِكَ عَلِمَ أن لَهُ شأْنا عظِيمًا، فحرص على ملازَمَتِهِ ومحافَظَتِهِ. فلمَّا دخلوا الشَّامَ نَزَلُوا بصرَى عِنْدَ صَوْمَعَة بَحِيرَى، وكان فِيهَا يَوْمَئِذٍ راهِبٌ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ يقال لَهُ نسطور، ولَيْسَ بَحِيرَى هذا القولِ، وَنَزَلَ النَّاسُ متفَرِّقِينَ ونَزَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ نُخِرَ عَودُهَا، وَلَمَّا اطْمَأَنٌ تحتها اخضرَّتْ وانْوَرَتْ واعشَوْشَب ما حَوْلهَا، وأَيْنَعَ ثَمَرُهَا وتدَلَّتْ أغصانُهَا، فرفْرَفَتْ على رَسُولِ الله وذلِكَ بِعَيْنِ الرَّاهِبِ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أن انْحَدَرَ مِن صومَعَتِهِ وقالَ لهُ باللَّاتِ والعُزَّى مَا اسْمُكَ؟ فقالَ: إِلَيْكَ عَنِّي ثَكِلَتْكَ أَمُّكَ ما تَكَلَّمَتِ العَرَبُ بِكَلِمَةٍ أَثْقَل عَلَيَّ مِن هذهِ الكَلِمَة. وكان ذلكَ مكْرًا مِنَ الرَّاهِبِ، وكان مَعَهُ حِين نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ رَقٌ أَبْيَض فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِيهِ مَرّةً وإِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَخْرَى، ثُمَّ أَكَبَّ يَنْظُرُ فِيهِ مَلِيًّا فقال: هو هو ومنَزِّلِ الإنجيل. فلمَّا سَمِعَ ذلِكَ خزيمة ظَنَّ أَنّ الرَّاهِبَ يُرِيدُ بالنَّبِيءِ مكْرًا فَأَخَذَ بِمِقْبَضِ سَيْفِهِ فَانْتَزَعَهُ وجعَلَ يَصِيحُ بأعْلَى صوْتِهِ يا آل غالب يا آل غالب، فأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُون إِلَيْهِ مِن كلّ ناحِيَةٍ يقولُونَ: ما الذي أفزَعَكَ؟ فَلَمَّا نظَرَ الرَّاهِبُ إِلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ يَسْعَى إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَدخَلَ فيها وأعْلَقَ عَلَيْهِ بابَهَا ثُمَّ أشْرَفَ عَلَيْهِم فقالَ: يا قَوْمُ مَا الَّذِي رَاعَكُمْ مِنِّي، فَوَالَّذِي رَفعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ما نَزَلَ بِي رَكْبٌ هو أَحَبّ إِلَيَّ مِنْكُمْ، وإنّي لَأَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَنَّ النَّازِلَ تَحْتَ هذِهِ الشَّجَرَةِ، وأشارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ التي تحتها [135] رسول الله، وهو رسول الله رسُولُ رَبِّ العَالَمِين يَبْعَثُهُ اللهُ بالسَّيْفِ المسْلُولِ وبالذَّبْح الأَكْبَرِ وهو حَاتِم النَّبِيئِينَ، فَمَنْ أَطَاعَهُ نجَا وَمَنْ عصاه غَوَى. ثمَّ أَقْبَلَ على خزيمة فقال: ما تكون مِنْ هذَا الرَّجُل، أَرَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ؟ قال: لا ولكن خادِمٌ لَهُ، وحَدَّثَهُ بِحَديث البَعِيرَيْنِ. فقالَ لهُ الرَّاهِبُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّههُ النَّبِيءُ الذِي يُبْعَثُ فِي آخِرِ الزمان وإنّي أجِدُ فِي هذه الصَّحِيفَةِ أَنَّهُ يَظْهَرُ على البلاد وينْصَرُ على العِبادِ، ولا تُرَدُّ له رايَةٌ ولا تُدْرَكُ له غَايَةٌ، وإنّ لَهُ أَعْدَاءً أكثرُهُم اليهُودُ أعْدَاءُ اللهِ فَاحْذَرْهُمْ عَلَيْهِ. فَأَسَرَّ خزيمة ذلِكَ فِي نفسِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ الرَّاهِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني لأَرَى فِيكَ شيئًا ما رَأَيْتُه فِي أَحَدٍ مِن النَّاسِ، إِنِّي لأحسبُكَ النَّبِيءَ الذِي يَخْرُجُ مِن تِهَامَةَ وإنَّكَ لَصَريحٌ فِي مِيلادِكَ ولَأَمينٌ فِي نَفْسِكَ وقَوْمِكَ، وإِنِّي لأرَى عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِن النَّاسِ، وإنّي مصدِقُكَ فِي قولك وناصِرُكَ على عدوّك (1). وكان قَدْ أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِ المحبَّةَ مِن مَيْسَرَةَ، وَكانَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ له، ولمَّا بَلَغُوا في رُجُوعِهم مرّ الظُّهران، تَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ الله له ودخَلَ مكَّةَ فِي وَقْتِ الظَّهِيرة، وخَدِيجة في عليَّة لها تنظُرُ السَّحابَةَ علَيْهِ. ورَجعَ خزيمة إلى بلادِهِ وقالَ لِرَسُولِ اللهِ لا لا له: إذا سَمِعْتُ بخُرُوجِكَ أَتَيْتُكَ، ووفَدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ مُسلِمًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّة. واللهُ أَعْلَمُ.

(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 262/ 1. (2) تاريخ الخميس، الديار بكري، 263/ 1.

360