الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٧وقِيلَ: حِكمَتُهُ أنَّ الكلامَ العَظِيمَ لَه مُقَدِّماتٌ تُوذِنَ بتَعْظِيمِهِ لِلاهتِمَام بِهِ (1). وقيل: حِكمَتُهُ أَنْ يَستَجْمِعَ قَلبَهُ فِيكُون أَوْعَى لِمَا سَمِعَ. وقيلَ: نُزُوله هكذا إذا كانَ فِي الوَعِيدِ، وفيه نَظَرٌ (2) بَلْ يَكُونُ في الوَعِيدِ والوَعْدِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذلِكَ بالقُرْآنِ. وإِنْ قُلْتَ صَوْتُ الجَرْسِ مِنْمُومٌ لِلنَّهْي عنْ مُرافَقَةِ ما عَلَيْهِ جَرْسٌ صَبِيًّا أو بَهِيمَةً ولأنَّ المَلَائِكَةَ لا تَصْحَبُها، جاءَ الحَدِيثُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِهِ صَوْتُ الوَحْيِ وَهُوَ مَحْمُودٌ بِهِ والتَّشْبِيهُ إِلْحَاقُ نَاقِصٍ بكامِلٍ؟ قُلتُ: يَكْفِي فِي التَّشْبِيهِ الاشْتِرَاكُ فِي صِفةٍ ما هِيَ هُنَا الشِدَّةُ والقُوَّةُ، وهُوَ المرادُ هُنَا [153 ظ] وفي الجُلجُلِ جِهَةُ طَنِين، وقَدْ قيل: التنفيرُ والزَّجْرُ مِنْ أَجْلِهِ وَلَا طَنِينَ فِي الوَحْيِ، ولَكنْ وقَعَ التَّشْبِيهُ بِمَا يَفْهَمُ السَّامِعونَ. وعُلِّلَ أَيْضًا بِكَوْنِ الجُلْجُلِ مِزْمارِ الشَّيْطانِ، فالنَّهْيُ الْمِزْمَارِيَّة ولَا تُوجَد فِي الْوَحْيِ، وإِنَّما المرادُ التَّشبيهُ بِصَوْتٍ مَتَدَارَكِ، يُسْمَعُ ولا يُفْهَم مِنْهُ شَيْءٌ تنبيها على أنَّ إِنْيَانَهُ يَرِدُ عَلَى القَلْبِ فِي هَيْئَةِ الجَلَالِ وأُبْهَةِ الكِبْرِيَاءِ فَيَأْخُذُ هَيْبَةُ الخِطَابِ بِمَجَامِعِ القَلْبِ، ولا يُفْهَمُ حَتَّى يَزُولَ الصَّوْتُ فيَجِدُ المَنْقُولَ مرْسُومًا فِي قَلْبِهِ، وهَذَا كَالْوَحْيِ إِلَى المَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ تَضْرِبُ بأَجْنِحَتِها كسِلْسِلَةٍ عَلَى صَفْوَانٍ إِجْلَالًا للهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى إذا فُزَعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير) وروى الترمذي والنسائي كأحمد والحَاكِم عن ابْنِ عُمَر: ((كَانَ لا إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِندَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ)) (5). فقِيلَ: إنَّ ذلكَ بالنِّسبةِ للحَاضِرِينَ، وأمَّا بالنسبة إِلَيْهِ الا الله فَعَصَلْصَة الجَرَسِ. وقِيلَ: إِنَّ سَمَاعَهُ كدَوِيِّ النَّحل حِينَ يَتَمَثَلُ لهُ الملكُ رَجُلًا (6).
23
ومِنْ شِدَّة الوَحْيِ الذي كالصَّلصةِ انْفِصَادُ جَبِينِهِ عَرَقًا؛ أيْ: سَيَلانُهُ والمراد بالجَبينِ الجِنْسُ، فشَمِل جَبِينَيْهِ، والجَبِينُ: فوقَ الصَّدع، والصَّدْعُ ما بَيْنَ العَيْنِ والأُذُنِ. ومِنْ شِدَّةِ هَذَا الوَحْيِ أَنَّ نَاقَتَهُ تَبْرُكُ بهِ كَمَا رُوِيَ عن عائِشَةَ رضِيَ اللهُ عَنْهَا: ((وَإِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَيْهِ وهُوَ علَى نَاقَتِهِ فَتَضْرِبُ جِرَانَهَا مِنْ ثِقْل ما يُوحَى إِلَيْهِ (((7) ورُوِيَ: أَنَّهُ جَاءَهُ الوَحْيُ مَرَّةً كَذَلِكَ وفَخِدُهُ علَى فَخِدِ زيد بن ثابت، فَثَقُلَتْ علَيْهِ حَتَّى كَادَتْ تَرُضُهَا. وذَكَرَ البُخَارِيّ عنْ زَيْدِ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَخِدُهُ عَلَى فَخِدِي
(1) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 426/ 1، عن البلقيني. (2) (م، س) 426/ 1، عن البلقيني.
(3) في الأصل: فإذا.
(4) سورة سبأ: 23.
(5) سنن الترمذي، حديث (3173).
(6) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 427/ 1.
(7) دلائل النبوة، البيهقي، 53/ 7.
406