إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٠٦

وأجَازَ بَعْضُ أَنَّ اللهَ خَصَّهُ بِقُوَّةٍ مَلَكِيَّةٍ يَتَصَرَّفَ فيها، بِحَيْثُ تَكُونُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ الأَصْلِيّ مُدَبِّرَةً لَهُ، ويَتَّصِلُ أَثَرُها بِجِسْمِ آخَرَ يَصِيرُ حَيًّا بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ ذلِكَ الأَثَرِ. وقدْ قِيلَ: إِنَّما سُمِّيَ الأَبْدَالُ [153] أبدالًا لأنَّهُم قد يرْحَلُونَ إلى مَكانٍ ويُقِيمُونَ فِي مكَانِهم شَبَحًا آخَرَ شَبِيهَا بِشَبَحِهِم الأَصْلِي بَدَلًا مِنْهُمْ، وأَثْبَتَ الصُّوفيَّة عَالَمًا مُتَوَسّطًا بَيْنَ عالَمِ الأَجْسَادِ والأَرْواحِ، وسَمَّوْهُ عَالَمَ المِثَالِ، وقالُوا: إِنَّه أَلْطَفُ مِنْ عَالَمِ الأَجْسَادِ وأَكْتَفُ مِنْ عَالَمِ الأَرْوَاحِ، وبَنَوْا عَلَى ذلِكَ تَجَسُّدَ الْأَرْواحِ وظُهُورَهَا

17

في صُوَرٍ مُخْتَلِفةٍ مِنْ عَالَمِ المِثَالِ. قِيلَ: يُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَمَثَلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (1) فَيَجُوزُ أَنَّ جَسْمَهُ الأَوَّل بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّر، وقَدْ أَقامَ شَبَحًا آخَرَ ورُوحُهُ مَتَصَرِّفَةٌ فِيهِمَا مَعًا فِي وَقْتٍ واحِدٍ. وزَعَمَ بَعْضُ أَنَّ ما ذكرهُ الصُّوفِيَّةُ أَحْسَنُ مِمَّا مَرَّ عن البُلْقِينِي، وأَنَّ مَا ذَكَرَهُ تَكَلُّفْ (2). ولَيْسَ كذلك، وما ذَكَرَهُ هُو المذهَبُ، أَعْنِي أَنَّ مَذْهَبَنا يَقْتَضِيهِ ويَتَبَادَرُ هُوَ منْهُ، فَإِنَّ في كتُبِ أَصحابِنا أَنَّ الملكَ يَتَضَاءَلُ حَتَّى يَصِيرَ كَالوَضْعِ (3).

وقال أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِي (4): لَا قُدْرَةَ للْمَلَكِ والجِنِّ عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ والانْتِقَالِ في الصُّورةِ، وإِنَّما يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُم اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى كَلِمَاتٍ وضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الأَفْعالِ إِنْ فَعَلُوهُ أَوْ تَكَلَّمُوا بِهِ نَقَلَهُم الله مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ (5). ولَيْسَ هذَا مُنَافِيًا لِمَذْهَبِنا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ.

الرابعةُ: صَوْتُ كَصَوْتِ الجرَس وهو الجُلجل الذِي يُعَلَّقُ في رُؤُوسِ الدَّوابِ، وَهُوَ صَوْتُ المَلَكِ بالْوَحْيِ. قال الخَطَّابي: صَوْتُ متَدَارَكَ يَسْمَعُهُ ولَا يثبته () أَوَّلَ ما يَسْمَعُهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ بِعْدُ (7). وقِيلَ: صَوْتُ أجْنِحَةِ المَلَكِ. والحِكْمَهُ في تَقَدُّمِهِ أَنْ يَفْرَعَ سَمْعَهُ الوَحْيُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَكَانُ لِغَيْرِهِ، وَالْوَحْيُ كله شديد، شديد، وهذا أشَدُّهُ عَلَيْهِ؛ لأنَّه يرد فيهِ مِنَ الطَّبَاعِ البَشَرِيَّةِ إلى الأَوْضَاعِ المَلَكِيَّة، فيُوحِي إِلَيْهِ كما يُوحَى إِلَى المَلَائِكَةِ. والفَهْمُ مِنْ صَوْتٍ كصَوْتِ الجَرَسِ أَثْقَلُ مِنَ الفَهْمِ مِن الكَلامِ، وفائِدَةُ الشَّدَّةِ ما

يَتَرَتَّب على المَشَقَّةِ مِن زِيادَةِ الزُّلْفَى وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ.

(1) سورة مريم: 17.

(2) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 425/ 1 (3) في الأصل كالوصع، ينظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 32/ 27.

(4) أبو يعلى الحنبلي: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، سمع علي بن عمر الحَرْبِي، وأملى عدة مجالس، حدَّثَ عنه خلق كثير، كان عالِمَ العراق في زمانه، وكان ذا عبادَةٍ وتهجدٍ وملازمة للتَّصنيف مع الجلالة، والمهابة من تصانيفه: أحكام القرآن مسائل الإيمان، عيون المسائل. ت: 458 هـ. طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، 193/ 2، أعلام النبلاء، الذهبي، 89/ 18.

(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 425/ 1.

(6) في أعلام الحديث: يتثبته.

(7) أعلام الحديث، الخطابي، 121/ 1.

سير

405