الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٥عن
وتَجْعَلُه بَلاغَا صَالِحًا لِلْحَاضِرِ والبَادِي اللَّهُمَّ أَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا وَأَنْزِلْ عَلَيْهَا سَكَنَهَا. اللَّهمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا تُحْيِي بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا. وأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا. فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَقْبَلَ قَزَعٌ مِن السَّمَاءِ فَالْتَامَ بَعْضٌ إِلى بَعْضٍ ثمَّ أَمْطَرَتْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ لَا تُقْلِعُ المدينة. فأَتَاهُ المُسْلِمُونَ وقالوا: يا رَسُولَ اللهِ قَدْ غَرِقَت المدينةُ وتَهَدَّمَت البيُوتُ وانْقَطَعَت السُّبُلُ فَادْعُ اللهَ أَن يَصْرِفَهَا عَنَّا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى بَدَتْ [164] نواجِدُهُ تَعَجُّبًا لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ بَنِي آدمَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الرابِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ وبُطُون الأَوْدِيَةِ وظهور الإكام فتَصَدَّعَت عن المَدِينَةِ حَتَّى كَانَتْ مِثْلَ تُرْسِ عليْها كالفَسْطاطِ تُمْطِرُ مَرَاعِيهَا وَلَا تُمطِرُ فِيهَا قَطْرَةً)) (1).
وأَنشَدَ بَعضُ السَّلَفِ عَقِبَ حَدِيثِ الاسْتِسْقَاءِ:
سَأَلْنَا وَقَدْ ضَنَّ السَّحَابُ بِمَائِهِ نَبِيءَ الْهُدَى فِي جُمْعَةٍ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقُلْنَا قَدِ اغْبَرَّتْ مِنَ الْجَدْبِ أَرْضُنَا فَلَيْسَ لَنَا فِيهَا مِنَ الضّرِ مَذْهَبُ فَمَا زَالَ يَدْعُو اللهَ وَالصَّحْبُ حَوْلَهُ وَيَضْرَعُ مَقْلُوبَ الرِّدَاءِ وَيَرْغَبُ إِلَى أَنْ بَدَتْ مِنْ نَحْوِ سِلْعِ غَمَامَةٌ فَلَمَّا تَزَلْ سَبْعًا عَلَى الْقَوْمِ تَسْكِبُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ شَاهِدًا بِقَوْلِ وَأَخْلَافُ السَّمَواتِ تَحْلَبُ سَلِ اللهَ يَا خَيْرَ النَّبِيئِينَ جَسَّهَا فَقَدْ خِيفَ مِنْهَا أَنْ تَهَدَّمَ يَثْرِبُ (2) وصَلاةُ الاسْتِسْقَاءِ ثَابِتَةٌ سُنَّة بإجْمَاعِ، إلَّا أبا حنيفة زَعَمَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْتَجَّا بِأَحَادِيثِ الاسْتِسْقَاءِ التي ليسَ فِيها صَلَاةٌ. ويَرُدُّهُ أحادِيثُ الاسْتِسْقَاءِ التي فيها صَلاة المذكورة في "صَحِيحِ البخاري" و "صحيح مُسْلِم" وغيْرِهِمَا الثَّابتة بأَسَانِيد وطُرُقٍ عدِيدَةٍ. والحافِظُ حجَّةٌ على مَن لَمْ يَحْفَظُ، وزيادة مَنْ يُوثَقُ بِهِ مَقْبُولَةٌ.
وأمَّا الأحاديثُ التِي لَيْسَتْ فيها صَلَاةُ، فيُقالُ فِيها: عَدَمُ ذِكْرِ الشَّيْءِ لا يكونُ نَصَّا في انتِفائِهِ، أو تُحْمَلُ على نِسيانِ الرَّاوِي أو بعضُ الاستسقاءاتِ تعقبه صلاةُ الجُمُعَةِ فاكتفِيَ بِهَا، كَمَا اكْتُفِيَ بِخُطبة الجمعةِ عن خُطبة الاستسقاءِ.
ولَوْ لَمْ يُصَلَّ أَصْلًا كان بَيَانًا بِجَوَازِ الاسْتِسْقَاءِ بِلَا صَلَاةٍ بَلْ بالدُّعاءِ فَقَطْ، ولَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وتَكُونُ الأحَادِيثُ المُثْبِتَةُ لِلصَّلاةِ مَتَقَدِّمَةً؛ لأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ مِنْ رَاوِيها عَلَى مَن لَمْ يَرْوها. والاستسقاءُ أَنْوَاعٌ:
(1) الأحاديث الطوال، الطبراني، حديث (27)، وفيه: كالنِّشطاط، بدل كالفسطاط.
(2) الأبيات من الطويل، تاريخ الخميس، الدياربكري، 15/ 2، دون نسبة.
434