إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٢

وهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيءُ لَا كَذِب، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب)) (1). فهَذهِ غَايَةُ الشَّجَاعَةِ؛ لأَنَّهُ فِي حَوْمَة الوَغَى وقد انْكَشَفَ عنه جَيْشُهُ، وهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، والْبَغْلَهُ لا تُسْرِعُ الجري، ولا تَصْلُحُ لِكَرٍ وَلَا فَرّ، وهُوَ يرْكُضُها مَعَ ذَلِكَ إِلَى وُجُوهِ الْعَدُوّ، ويُنَوِّهُ بِاسمِهِ؛ لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَيْسَ يَعْرِفُهُ. وفي حديثِ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ) (2)، أَيْ: جَعَلْنَاهُ قُدَّامَنَا وَاسْتَقْبَلْنَا

الْعَدُو

بِهِ وقُمْنَا خَلْفَهُ 3)

والشَّجَاعَةُ قُوَّةُ قَلْبٍ لَا قُوَّةُ بَدَن، ولَكِنَّ الْقَلْبَ يسْتَخْدِمُ الْبَدَنَ، وإِنَّمَا المَقَامُ لِذِكْرِ قُوَّةِ بَدَنِهِ كَمَا

مَرَّ مِنْ صَرْعِهِ رَكَانَةَ.

والسَّائِلُ لِلْمُصارَعةِ هو رَسُولُ الله، وقال البلاذري (4) هُوَ رَكَانَة (5)، ويَحْتَمِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُما

تَوَارَدَ مَعَ الْآخَرِ في السُّؤالِ أَوْ سَأَلَها الله صلى الله عليه وسلم فَصَارَعا وسَأَلَها بَعْدَهُ رَكَانَةُ. ويُروَى أَنَّهُ له قال: ((أَرَأَيْتَ إِنْ صَرَعْتُكَ تُؤمِنُ باللهِ ورسولِهِ؟ قال: نَعَمْ يَا مُحَمَّد، فَقَالَ لَهُ: تهَيَّأْ) لِلْمُصَارَعَةِ)) فَقَالَ ركانَةُ: تَهَيَّأْتُ (6)، وسَاقَ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ [198] أسلَّمَ عامَ الفَتْحِ، وقِيلَ أَسْلَمَ عَقِبَ الصَّرْعِ الْأَخِيرِ. وأَطْلَقَ بَعْضُ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَقِبَ الصَّرْعِ (7).

وفي "الْإِصابَةِ": ركَانَةُ بنُ عَبد يزِيدَ بنِ هَاشِم بن المطَّلِبِ بن عَبْدِ مناف المطلبي، وقال البلاذري: إِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ (8)، فأُخْبِرَ خَبَرَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وكانَ أَشَدَّ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ إِنَّكَ سَاحِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ، وأَطْعَمَهُ النَّبِيءُ الخَمْسِينَ وَسْقَا). وقِيلَ: لَقِيَهُ فِي بَعْضِ جِبَالِ مَكَّةَ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بَلَغَنِي عَنْكَ شَيْءٌ فَإِنْ صَرَعْتَنِي عَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ، فصَرَعَهُ (10). ومَرَّ أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ قَوْلُ الرُّبيرِ بنِ بَكَّار، وعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ مَاتَ عَامَ أَرْبَعِينَ (11). وقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَثْمَانَ، وَقِيلَ: عَاشَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ (12).

(1) صحيح البخاري، حديث (4317).

(2) صحيح مسلم، حديث (79). (3) المواهب اللدنية، القسطلاني، 366/ 2.

(4) البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، من أهل بغداد، سمع بدمشق، وبأنطاكية، وكان أحد النقلة من الفارسية إلى العربية، له من الكتب: كتاب البلدان الصغير، كتاب البلدان الكبير لم يتم جمل من أنساب الأشراف. سير أعلام النبلاء، الذهبي،،36/ 9، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 322/ 1.

(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 102/ 6، وجمل من أنساب الأشراف، البلاذري، 155/ 1.

(6) المواهب اللدنية، القسطلاني، 365/ 2، وهي نفس الرواية عن ابن إسحاق، وقد سبق تخريجها.

(7) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 102/ 6.

(8) جمل من أنساب الأشراف، 155/ 1

(9) الإصابة، ابن حجر، 414/ 2.

(10) هذه رواية البلاذري، في جمل من أنساب الأشراف، 155/ 1، سبق الإشارة إليها.

(11) "وعبارة بعضهم مات عام أربعين" زيادة من المؤلّف ليست في ج.

(12) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 102/ 6.

525