المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٤٦الفصل الثاني: دراسات المستشرقين البولونيين
تمهيد
الفصل الثاني دراسات المستشرقين البولونيين
المدرسة البولونية من المدارس المجهولة والغامضة في سياق الحركة الاسْتِشْراقِيَّة، فلم تأخذ الشهرة والزخم الذي تميزت به المدراس الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى طبيعة الاستشراق البولوني نفسه الذي إن صح القول إنَّه استشراق داخلي، بمعنى أنه كان في حبُّ اسكتشاف الذات والهوية البولونية، بعد أن دخل الإسلام إلى أجزاء واسعة من بولونيا، وبقي الجانب الآخر الذي لم يبلغه الإسلام يتوجس ريبة من المسلمين، فأراد معرفته والاطلاع عليه. الأمر الأوّل الذي تميز به المستشرقون البولونيون أنَّ بعضهم أو معظمهم كانوا ينشطون ضمن دول أخرى، كما سنرى هذا واضحا من خلال المستشرقين زيغموند سُموقزفسكي وتادوزليفتشكي اللذين عملا إما مع روسيا أو فرنسا. والأمر الثاني أنَّ الاستشراق البولوني بداية من سنة 1928 م اعتمد اللُّغة الفرنسية كلغة لنشر أبحاثه ودراساته، ولعل هذا الاتجاه يُفسر من جانبين، الجانب الأوَّل أنَّ المستشرقين البولونيين كانت لهم علاقات تعاون قوية مع فرنسا، والجانب الثاني يمكن أن يكون هروبا من الرقابة الألمانية أو الروسية، إذ أنَّ بولونيا أصبحت مجزأة بين روسيا وألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ولا نستبعد هذا الاتجاه، ذلك أنَّ قرار استعمال الفرنسية كان محدودا لغاية سنة 1939 م، رغم أنَّ بولندا عرفت التَّقسيم مرَّة ثانية بين ألمانيا وروسيا.
الدراسات البولونية حول المذهب الإباضي، غالبها يلتزم بالعودة إلى مصادر الفرقة، وذلك من خلال المخطوطات التي جمعت من قبل سموقزفسكي خلال رحلاته المتعدّدة إلى الجزائر وبالخصوص إلى مزاب، وفي دراستنا هذه اعتمدنا بشكل خاص على مستشرقين بارزين هما سموقزفسكي وتلميذه تادوزليفتسكي، وأبعدنا ما كان يُحسب على المدرسة البولونية من بعض المستشرقين الذين عُدُّوا بولونيين من خلال أسمائهم أوأصولهم، ولكنهم في حقيقة الأمر لم يعودوا كذلك لانتقالهم إلى بيئات أخرى كالمستشرق مُوتِيلاً نَسْكي الذي رغم أصوله البولونية، إلا أن جده استقر منذ زمن غير يسير في فرنسا، فُولد في فرنسا وتحصل على الجنسيَّة الفرنسيّة، وعُدَّ فرنسيا وليس بولونيا.
ولكن ما يميّز الدّراسات البولونية أنها اهتمت بشكل بارز بالجانب الفيلولوجى والجانب التاريخي للمذهب الإباضي، ولم نعثر إلا على النزر اليسير فيما يخص العقيدة الذي هو محور دراستنا، لذلك سنحاول التركيز على أهمّ
146