المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٦٥الفصل الثاني: دراسات المستشرقين البولونيين
تفاصيل عن حظوظ الإباضيَّة في البصرة خلال العقدين الأوَّلين من القرن 2 هـ/8 م، فقد كان في هذه المرحلة تغير
كامل في موقفهم.
ونتيجة لذلك يذهب ليفتسكي إلى القول إنَّ بعض النزعات الثَّورية ظهرت عند بعض العناصر، منهم أبو نوح، المؤيد للقطيعة النهائية مع الخلافة، والخطيب المعروف أبو محمد النهدي، الذي ألقى خطبة في مساجد البصرة حرّض فيها الجماهير على الثَّورة ضدَّ والي العراق خالدبن عبد الله (105 - 20 هـ / 723 - 38 م).
ويعتبر ليفتسكي أنَّ أبا عبيدة كان لايزال صاحب جميع المواقف في الفرقة الإباضية، وجميع ما يتعلق من
تحركات الحركة كانت لا تصدر إلا منه، فالكل منقاد لرأيه وزعامته.
وبالنسبة للفريق الذي يُطلق عليه ليفتسكي بالثوري ضمن الحركة الإباضية، فإنَّه قلل من خطرهم وتأثيرهم، أو أن يكون مصيرهم كالأزارقة الذين هاجروا وخروجوا وحاربوا الأمويين، حيث اعتبر أنَّ هذه الفَرَضِيَّة الأخيرة ضعيفة
حدا
وفي علاقتهم مع أبي عبيدة، فبعد التشاور مع! مهمّين من الفرقة، يعتبر ليفتسكي أنَّ أبا عبيدة وجد نفسه مضطرًا لتغيير موقفه من خلال الخوف من الانقسام بين الإباضية في البصرة، ويستنتج من هنا أنَّ فريق الرغبة في مواجهة السُّلطة الحاكمة والظهور عليه بدأ يعظم في الوسط الإباضي.
وبناء على ما سبق فقد اعتمد أبو عبيدة على خطة عمل مختلفة تماما من قادة الخوارج الآخرين، حيث أبدى
من
الإباضية
رغبته في عدم الخروج من البصرة اقتداء بنافع بن الازرق، بل العكس من ذلك، فقد كان يعتزم الاستفادة من خلال غناهم المادّي وكثرة عددهم في تلك المدينة، فهي تعتبر لديه كقاعدة ومنطلق لنشر المذهب الإباضي إلى
مختلف أصقاع العالم.
ومن هذا التوجه، فإنَّ ليفتسكي يعتبر أن أبا عبيدة قرر إثارة تمرُّد الإباضيَّة خارج البصرة، وذلك في مختلف المدن من أجل إنشاء إمامة إباضية عالمية على أنقاض الخلافة الأموية، وسعى في ذلك إلى إنشاء نوع من المجموعة الثورية، حيث كان هو نفسه المكلف بكل شيء بشأن الإجراءات والبعثات العلميَّة والدَّعويَّة، وكان بمعيته عالم إباضي بارز من البصرة، هو حاجب الطائي، الذي كان مكلفا بقضايا التمويل وادارة مسائل الحرب. (1)
وتم انشاء بيت المال، واشتهر أنَّ أصوله كانت عظيمة بما وصل إليها من أموال من تبرعات الإباضيين، ويضرب ليفتسكي مثلا على سخاء الإباضيَّة وإيمانهم بفكرة نشر مذهبهم أنَّه رُوي أنَّ تاجرًا إباضيا لوحده قدم مبلغاً
(1) أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، كتاب السير، ص 86/ 1، ويعتبره المستشرق الألماني فان آس من تجار البصرة، جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، 306/ 2
165