المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٦٦الفصل الثاني: دراسات المستشرقين البولونيين صافياً من المال مقداره عشرة آلاف درهم.
وفي البصرة تم إنشاء مركز للتعلم، وكان القائد أبو عبيدة هو المكلف بإدارته، حيث كان يدرب سرا الطلبة الذين يأتون مبتعثين من جهات مختلفة من العالم للدّراسة عند أبي عبيدة، وقد أطلق على هؤلاء تسمية حملة العلم. وعند نهاية دراساتهم وضع أبو عبيدة على رأس كل فريق لهؤلاء الطلبة من كان مرشحا لمهمة الإمامة والقضاء
في المستقبل.
أرسل أبو عبيدة هذه الفرق إلى جهات مختلفة منها المغرب واليمن، وحضرموت، وخرسان، وقد لقيت هذه العملية نجاحا كبيرا، وخاصة في خضم الفوضى العارمة التي سبقت سقوط الأمويين، حيث إنَّه عرف تأثير الإباضية على المتدمّرين من الحكم الأموي، ولقيت حركتهم تجاوبا واسعا.
وبعد بضع سنوات فقط اندلعت ثورات إباضيَّة في مختلف البلدان الإسلامية من المغرب، واليمن وحضر
موت، والتي شكلت خطراً حقيقيًّا على الدولة الأموية، كما كان شأن الحركات الأخرى من أمثال الأزارقة. ينبغي الإشارة هنا أنَّ ليفتسكي لا يفرق بين حركات الخوارج كالأزارقة وغيرهم الذين خرجوا من باب خلاف عقدي، تطوَّر إلى القتل والتدمير، واعتبار النَّاس كلهم مشركين ما لم يهاجروا، أمَّا الإباضيَّة فقد كانت ثورتهم بناء على مع السلطة، كما تبين من خلال رسائل ابن
عبر
الحوار
تغيير أوضاع فاسدة، حيث كان تغييرهم إباض لعبد الملك بن مروان، ثم ما أعقبه اتصالات
مراحل، بداية من
من
مع
الخليفة عمر
الثاني، وعندما لم تُجد هذه الخطوات نفعًا،
انتقلوا إلى انشاء إمامات قد تكون بديلا للدَّولة الأموية الآيلة إلى الزَّوال، لأنَّ الضُّعف بدأ ينخر جسدها.
وخلال هذه الفترة من توشع الحركة الإباضيَّة، فإن إباضية البصرة حافظوا على مسلكهم وهو العمل في الكتمان والحفاظ على معتقداتهم سرًّا من العباسيين الذين لم يغيّروا من أوضاع، البصرة وهذا راجع حسب ليفتسكي إلى أنَّ الإباضية نجحوا في الحصول على الحماية من بعض العناصر المؤثرة في الدَّولة من عائلة الخلفاء العباسيين. وتجدر الإشارة هنا خصوصا إلى عمَّة الخليفة المهدي (158 - 69 هـ/ 775 - 86 م) وزوجها عبد الله بن الربيع،
الذين أصبحوا من الإباضية.
ويرى ليفتسكي أنَّ من بين الشَّخصيَّات المتجهة نحو الإباضيَّة في فترة من الفترات، الخليفة أبو جعفر، الذي أبدى تعاطفه مع حاجب الطائي، الذي توفي هو وأبو عبيدة في فترة ولاية أبي جعفر. (1) ويشير ليفتسكي انه من خلال المصادر التاريخية للفرقة الإباضيَّة يمكن أن نلاحظ أنه وقع تراجع للمجتمع الإباضي في البصرة بعد وفاة أبي عبيدة إلا أنه بقي مستقرا بعد ذلك حتى عهد خليفته الربيع بن البصري،
(1) أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشَّمَّاخي، كتاب السير، ص 83.
166