المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

الفصل الثاني: دراسات المستشرقين البولونيين

الحياة للمجموعات الإباضية.

ونتيجة للحروب الأهلية الداخلية، وانهزام المنتفضين على يد الدولة الفاطمية، بدأ المذهب الإباضي ينقص ويندثر في إفريقيا الشَّماليَّة، ويرجّح ليفتسكي أنَّ تراجعه بشكل متسارع كان نتيجة هجرات بني هلال لشمال إفريقيا. أمَّا إباضيَّة إفريقيا الشَّمالية في القرن 12/ 6، لم يبق لهم إلا مناطق قليلة يصعب الوصول إليها، حيث استمروا

في الوجود إلى يومنا هذا.

كذلك بقية أتباع الإباضية هربوا من المغرب الأوسط، والتحقوا بإباضية ورقلة وريغ وانضموا إليهم، وبالتبع أسسوا مدن بعد ذلك في ميزاب، أما إباضيَّة طرابلس فقد بقوا متمركزين في جبل نفوسة إلى نهاية العصر الوسيط. وذكر ليفتسكي أنه في عهده لا يزال المذهب الإباضي يمارس في إفريقيا الشمالية فقط في مزاب، وفي ثلثي جزيرة جربة، وزوارة في الساحل الغربي من طرابلس، وفي نصف جبل نفوسة، وذكر أن أتباع الفرقتين الإباضيَّتين النُّكَار والوهبين، كانوا موجودين أيضا، أما ما بقي من أتباع المذهب الإباضي فإنهم لعبوا دورا مهما وكبيرا في تاريخ

إفريقيا الشمالية.

12

الإباضية في إفريقيا السوداء:

استند ليفتسكي في إثبات وجود الإباضية في إفريقيا السَّوداء من خلال مقال لشاخت Schacht حول انتشار غط معماري ديني للمسلمين في الصحراء، حيث بين أنه من خلال أعمال معهد الأبحاث الصحراوية، ثبت أنَّ إباضية الجنوب التونسي ورقلة وميزاب أثروا في المعمار في جميع أنحاء الصحراء، وبالخصوص مدن: هوسا، وقانوريس حتى فيولب وهي مناطق توجد في السَّاحل الصَّحرواي، حيث لاحظ شاخت في مقالته أنها تمتاز بنمط معماري نجده في جميع أنحاء الصحراء، وخاصة ما يتعلق بهندسة المنارة التي فيها دُرُج حيث وصل هذا النمط من الهندسة إلى السُّودان انطلاقا من الجنوب التونسي عبر ورقلة.

وكذلك شكل المحراب المستطيل جاء من ميزاب وغياب المنير عند المهاجرين من شعوب إفريقيا راجع على حسب شاخت للتأثير الإباضي، فالإباضية هم من نشر الإسلام في إفريقيا السوداء والمصادر السنية في العصور الوسطى وخاصة المصادر الإباضيَّة لإفريقيا الشَّمالية توفّر لنا معلومات موضوعية وصادقة عن أنشطة التجار، حيث إِنَّ هؤلاء كانوا ينشرون الإسلام وفق المذهب الإباضي في غرب ووسط السودان في القرن الثاني الهجري/ الثامن للميلاد.

حيث إن مدينة تاهرت عاصمة الدولة الرستمية أصبحت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، قبل فترة وجيزة من انهيارها مركز تجارة كثيف مع السودان خاصة مدن مع أودقست Awdaghust وغانا Ghana، وفي فترة حكم الإمام أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258 هـ)، كان هنالك

182