المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٨١الفصل الثاني: دراسات المستشرقين البولونيين
في شمال إفريقيا، هذه المرة كانت من قبل عضو من فرقة النُّكار هو أبو يزيد مخلد بن كيداد (335 هـ/946 م)، الذي
جمع حوله القبائل الإباضيَّة من جبل نفوسة ومنطقة الزَّاب ومناطق أخرى من المغرب. وبعدها بعشرين عاما قام إباضية المغرب بمحاولة أخرى وأعلنوا في 358 هـ/969 م الخروج
ضد الفاطميين،
وهذه الانتفاضة التي انفجرت في بلاد الجريد، كانت بقيادة شيخين إباضيين وهبيين من قبيلة بني وسيان: أبي القاسم مخلد، وأبي خزر يغلا بن زلتاف. (1) يزيد بن قام أبو خزر يغلا (2) بهيمنة كاملة مؤقتة لطرابلس، والوسط التونسي، وجزيرة جربة، وبلاد الزاب، وواحات وادي ريغ، ووارجلان، وتم تنصيبه إماما للدفاع، ونصب الحكّام في عدة أقاليم، وقد أعطيت لهم صلاحيات حتى بالدخول في علاقات مع الأمويين في إسبانيا.
وألف أبو خزر جيشا كبيرا مكونا من قبيلة مزاتة وحدها حيث أمدته بإثني عشر ألف مقاتل، لكن لم يكتب لهذه الثورة بالنجاح فقد عرفت الفشل مرّة أخرى وبعد هزيمة الثوار في باغاي أعلن إباضية شمال إفريقيا الخضوع للفاطميين. (3)
بعد هذه الانتفاضة لم يحاول إباضيَّة شمال إفريقيا، أبدا إعادة إحياء الإمامة من جديد، بل عادوا إلى حالة الكتمان، وكان ذلك في مناطق مختلفة من الجانب الغربي في إفريقيا، حيث شكلوا تنظيمات سياسية صغيرة للإباضية الوهبية مستقلة عن الفاطميين ومن الدول السُّنية في إفريقيا الشمالية.
وفي وقت لاحق في القرن 5 هـ/11 م ظهرت من بين إباضية شمال إفريقيا شكل آخر من الحكم، سماه ليفتسكي حكومة ثيوقراطية مؤلفة من عدد من الوجهاء والعلماء يطلق عليهم العزابة، يرأسه شيخ يمارس السلطة في كل نواحي
عن
129/ 1
(1) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (670 هـ)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ص (2) يغلا بن زلتاف الوسياني، (أبو خزر)، (ت: 380 هـ / 990 م)، من كبار علماء الإباضية، برع في علم الكلام، وانفرد فيه بآراء متميّزة، وهو من أبناء الحامة بقسطيلية من بلاد الجريد بالجنوب التونسي، حيث كانت في عهده آهلة بالإباضية، نشأ بها وتلقى العلم جلة علماء عصره، منهم أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي؛ وأخذ الأصول عن سحنون بن أيوب.، تصدر هو وزميله أبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني للتعليم بالمغرب، عرف لأبي خزر نشاط سياسي وعسكري، إذ قاد ثورة مسلّحة ضد جور العبيديين، وانتقاما لمقتل زميله أبي القاسم يزيد بن مخلد، فبويع أبو خزر إمام دفاع، وحشد جيشا لقتال المعزّ الفاطمي، وتوجه إلى باغاي سنة 358 هـ/968 م، ولكنَّه تعجل الأمر قبل أن يصله المدد من ريغ والزاب ووارجلان، فحاصره المعز وأخفقت ثورته، ثم هرب إلى جبل يقال له تلتماجرت، وممن رافقه الشيخ أبو محمد يوجين بن نوح اليفرني، وبقي مستخفيا هناك، ثمَّ أعطاه المعز الأمان واستقدمه إلى بلاطه سنة 359 هـ/969 م، ولما رحل إلى مصر سنة 362 هـ/972 م أخذه معه ليأمن جانبه وصفه المعز قائلا: «يغلا عالم ورع»، توفي سنة 380 هـ/990 م، وترك كتاباً بعنوان: «الردُّ على جميع المخالفين» ولعله أقدم كتاب إباضي مغربي في علم الكلام بعد الدينونة الصافية. أعلام الإباضية، رقم التَّرْجَمَة: 1039 ص 1001/ 4 - 1004.
معجم
(3) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (670 هـ)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ص 130.
181