المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٩٨الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
وقد بين الباحث منهجه، باعتماده على مصادر الفرقة وأنه لم يلج غمار هذا البحث إلا بعد توفر أهم المصادر
بين يديه، والتي كانت منعدمة عند من سبقه، لعدم توفرها أو بجهلهم عن أماكنها. كما بين أنَّه لم يتم كشف الغطاء عن هذه المكنونات والمخطوطات إلا بعد دخول الاستعمار الفرنسي إلى
الجزائر.
وأعتقد أن هذا المبرّر ليس مقنعا بشكل أساسي، فقد اعتمدت المدرسة الإيطالية مخطوطات جلبتها من ليبيا، مما يدلُّ على أنَّ بعض المخطوطات كانت متوفّرة في جهات أخرى. ووصف الباحث أنَّ هذه الكتب أثارت فضول الباحثين لكونها تشتمل على معلومات قيمة، ترجع للقرون الأولى لنشأة الفرق الإسلامية.
حيث أبرز الباحث في هذه الدّراسة منهجه ومقصده، إذ بدأ بقراءة نقديَّة للأبحاث السابقة على دراساته، وبين العوز الذي اعتراها، وأنها لم تصل إلى مبتغاها وهو التعريف بالمدرسة الإباضيَّة، إذ أنَّ كثيرا منها شوَّهت تلك المدرسة لدى القارئ على حسب رأيه.
كما أنه انتقد بعض الذين تصدُّوا لهذه الدّراسات دون أن يكون لهم إلمام بمصادر المدرسة الإباضية، أو الاطلاع عليها، (1) أو الاعتماد على دراسات أخرى دون العودة لمصادر الفرقة، كما لاحظ هذا أيضا المستشرق الألماني جوزيف فان أس أنَّ بعض الأبحاث قد وظفت تراثا أعيد تناوله مراراً وتكراراً، وهذا مما أفضى إلى نتائج متوافقة مع سابقاتها. (2)
وبيَّن الباحث أنَّه بفضل المصادر والمخطوطات التي توفّرت في عصره، ثمَّ بمجهودات من سبقه من المستشرقين كالباحث سموقورزفسكي فإنَّه استطاع أن يقوم بهذه الدّراسة، وفي نفس الوقت تصحيح ما نُسج من شبهات وأخطاء حول المذهب الإباضي، وتصحيح مسار التاريخ، حيث يقول "نستطيع إعادة رسم خريطة نشأة الإباضية من خلال مصادرهم، لأنَّ المعلومات الأخرى أتت من مصادر أخرى قد تكون غير متوافقة مع الإباضية". (3)
وقد بدأ كتابه بتعريفات حول المذهب الإباضي، وإشكالات نشأته، وتطوره في البصرة، وظروف انتقاله إلى
المغرب.
(1) وهذا اعتراف ضمني من الباحث لقصور الدراسات التي سبقته، والتي بدون توفر مصادر الفرقة فإن احتمال انحرافها عن الحقيقة كبير
جدا.
ملاحظة المؤلّف
(2) جوزيف فان آس علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، 291/ 2، ويبدو أنَّ عند قوله إنَّ الإباضية ليس لهم تراث جديد كانت قبل اكتشاف المخطوطات الجديدة التي تحدث عنها شفارتز، أو أن فان أس لم يكن له اطلاع بالجديد حول المخطوطات المكتشفة من قبل سموقزفسكي أو ليفتسكي
(3) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 25. 198