المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢١٤الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
المطلب الثالث: آراء الإباضية العقدية
1. القضاء والقدر
ذهب فان أس إلى أنَّ الواقع السياسي، هو الذي دفع بالأفكار القدريَّة للظهور في الفكر الإسلامي، وكان أول مروّج للفكرة القدريَّة غيلان الدمشقي، ويبدو أنَّه كان ردّاً لواقع مرير عاشه المسلمون، وردا على أفكار وعقائد كانت سائدة ومنها التي كانت السُّلطة الأموية تستمد منها شرعيتها.
لقد كان النقاش سائدا حول شرعيَّة الدَّولة الأموية، خاصة بعدما بدر من خلفائها من ظلم وطغيان، وهل
السلطة مكتسبة أو منحة إلاهية. الفريق الذي يمتّل السُّلطة في الدَّولة الأموية ساند فرضيَّة أنَّ كل أعمال الإنسان قد حددها الله وقدرها، وهذه إشارة إلى أعمال الحكام الأمويين، مما أعطى لهؤلاء الخلفاء تبريرا لأعمالهم على زعم أَنَّهَا من الله، لأنَّ الله هو الذي
يعين السلطان.
ورداً على هذا الاتجاه برز تيَّار مضاد يقول إنَّ جميع أعمال الإنسان ناتج من خياره وحريته ومن مسؤوليته، وكان من بين هؤلاء غيلان الدّمشقي الذي يرى أنّ السُّلطة اكتساب وليست رزقا أو منحة يمنحها الله، كما كان الرأي سائدا وكان علماء بارزون أيَّدوا هذا الرأي الأخير.
ورأت الدولة الأموية في هذه الأفكار تهديدا مباشرا لوجودها، لذلك حاربت القدريَّة، وصلب غيلان الدمشقى سنة (106 هـ/724 م)، نتيجة ثباته على أفكاره وعدم الخضوع لأهواء السُّلطة الحاكمة، وكان لهذه الأفكار صدىً كبيراً في أتباع الفرق الأخرى، وتلقفها بعضها بحذر والآخر بترحاب.
وذهب فان أس إلى القول إنَّ عقيدة القدريَّة في البداية لم تلق استهجانا من قبل الإباضية فقد كان هنالك
تعاون مع هشام الدستوائي، وروى عن قتادة فتواه أنَّ أبا صالح نوح الدهان كان قدريًّا، طبقا لرواية سنية. ونفس الأمر في البداية كان موقف حاجب الطائي مبهما حيث استحسن القول إنَّ الخير من الله والشر من العباد، وبذلك سار على نهج الحسن البصري، ولم يرجع عن ذلك فيما بعد إلا تضامنا مع أبي عبيدة الذي كان لينا في البداية، لذلك اتهمت القدريَّة حاجباً بالتناقض في أقواله. (1)
وهذا يوضح أنه وقع ارتباك في المدرسة الإباضية في بداية الأمر، ويرى شفارتز أنَّ هذا الأمر لم يكن خاصا بالإباضية وحدها، فقد ترك هذا الأمر آثارا سلبية على وحدة المسلمين وكان الاختلاف كبيرا، لأنه يتعلق بشرعيَّة الدولة الأموية وبالسياسة، فلذلك كانت المسألة سياسية في البداية، ثم انتقلت إلى جانبها العقدي لاحقا.
(1) جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام،.
ص 314/ 2.
214