المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
وينتقد الشيخ اطفيش فتح باب الإمامة العظمى للعبيد، حيثُ يعتبر أنَّ هذا مبالغة لا يمكن تطبيقه، إلا إذا
كان عبدا في الأصل حُرَّا في الحال، فلابد من شرط الحُريَّة للإمام، إلا أنَّه يمكن أن يُعيَّن لوظائف أخرى مثل الجباية. (1)
(2). z
وقد انتقد كُوبَرْلي الجيطالي في قضيَّة ارتكاب الإمام كبيرة من الكبائر، حَيْثُ ذكر أنه يلزم طاعة الإمام رغم ذلك ولو اقترف كبيرة من الكبائر، وهذا يعطي اعتقادا أنَّ الإمام بعيد عن المحاسبة والمساءلة.) ولم أقف على هذا القول في مؤلفات الجيطالي فكتاب قواعد الإسلام ينص بشكل صريح على التبرئ من أئمة الجبابرة واعتبار دارهم دار ظلم وجور، ولعلَّ الأمر اشتبه على كُوبَرْلي في وَلايَة من كانوا تحت إمرة أئمة الجور، حَيْثُ ذهب الجيطالي إلى القول بالبراءة من الطائعين لائمة الجور، لكن استدرك وقال ينبغي الحذر، فولايتهم أولى، ذلك أنهم قد يكونون يطيعونه تقيَّة وخوفا". (3)
وهذا في حقيقة الأمر غريب وجديد في المذهب الإباضي، والذي يعتبر في نفس الوقت تطورا في العقيدة الإباضيَّة والتي تأخذ بمقتضيات الأحوال والواقع. ويرجع ذلك كُوبَرلي إلى أنَّ الواقع الذي عاشه الجيطالي، فرض عليه هذا الاجتهاد فقد كان الإباضية في نفوسة وجربة يعيشون حالة ضعف في عهد الحفصيين، لذلك فيعتبر طاعة الإمام رغم أخطائه إيجابية، لأنَّ عصيانه قد يؤدّي
إلى خطورة ومفاسد.
ويذهب كُوبَرْلي إلى أنَّ استعمال الجيطالي إلى لفظة "قيل" في طاعة الإمام العاصي، يدل
على
انها تعتبر حالة
استثنائية ومؤقتة.
المطلب الخامس: سلطة الإمام
يتمتَّع الإمام بسلطة دينيَّة إدارية وقانونية فهو الحارس على أموال وبلاد المسلمين، وله الحق في الدعوة إلى انعقاد الحرب من أجل الدفاع وردّ الأعداء عن المسلمين. والإمام رغم تمتعه بصلاحية السُّلط الدِّينِيَّة والقانونية من تنفيذ، وقضاء إلا أنّه لا يُعفيه عن استشارة الهيئة
الشورية.
وللإمام صلاحية تعيين القاضي للبلاد، وله الحقُّ في الرجوع إليه حال اختلافه مع المجلس الشوري، ويرى كُوبَرْلِي أنَّ الإمام غير ملزم أحيانا بأحكام القاضي، حيثُ يستطيع نقضها حال تبيَّن له الحكم أنه قد يؤدي بالبلاد
(1) محمد بن
(3)
يوسف أطفيش (ت 1914 م)، شرح عقيدة التوحيد، ص
593
(2) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 131.
قواعد الإسلام، أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (750)، ص 74/ 1.
375