المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٦٨

الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق

وكما يقول المفكر الجندي: " والحق أنَّ حركة تغريب الشرق قامت على المغالطة والتضليل، ومحاولة مسخ القيم، والمقومات العربية والإسلاميَّة، وإدخال قيم ومقوّمات جديدة تقدم شخصيتنا وتصيّرنا مسخا لا هو من الشرق ولا هو من الغرب، ثم هي بعد ذلك تحاول أن تغضَّ من شأن لغتنا وتاريخنا وتراثنا على نحو لا يصمد أمام البحث العلمي

الصحيح". (1)

فأعتقد

من خلال ما سبق من دوافع الاستشراق أنها متداخلة ومتكاملة بينها، فالجانب الديني قد يساهم في الجانب الإيديولوجي، والإيديولوجية تساهم بشكل كبير في الجانب الاقتصادي، وإنما كل مدرسة من مدارس الاستشراق قد تأخذ ببعض منها أو كلّها عبر الزمان والمكان.

وفي مراحل نشأة الاستشراق نلاحظ أنه يأخذ في كل ظرف خاصيته، ففي نشأة الاستشراق كانت دينية، ولا يخفى أهمية هذا الجانب مما يستلزم من توفّر جميع الأهداف من أجل بلوغ غايته، خاصة إذ اعتبرنا أنَّه من أقوى الدوافع في مرحلة تكون الاستشراق.

ولكن مع تغير الخريطة السّياسيّة في العالم انتقل إلى جانبه الاستعماري، وساهم بكل ما أوتي من دراسات ليسهل على الاستعمار وضع يديه على خيرات تلك البلاد. وأخيرا في العصور الأخيرة فإنه انتقل إلى الإيديولوجية كما فسَّرها مالك بن نبي، أنه ترك لنا جيلا مشدوها بالغرب، رُكب فيه كل ما يبعده عن واقعه ويتركه منغمسا في أمجاد هذه الدوافع مجتمعة تعطي لنا النَّظرة العامة التي ظهر بها الاستشراق في مراحل تكونه عبر التاريخ، وهو

يجميع مدارسه، أو أنواعه.

المطلب الرابع: أهداف الحركة الاسْتِشْرَاقِيَّة:

الماضي.

(2)

يتعلق

إن الناظر إلى الحركة الاسْتِشْراقِيَّة التي نشأت في الغرب، وبما ساهمت به في تعلم وتعليم اللغة العربية وتدريسها في الجامعات واختيار أساتذة أكفاء لذلك، ورصد ميزانيات ضخمة في سبيل جمع المخطوطات من أجل إنشاء مكتبات، وتكوين فرق بحث من أجل تحقيق تلك الكتب وترجمتها وإعادة طبعها، وعقد مؤتمرات علمية محور بحثها الشرق بما يتضمنه من معارف وتاريخ وآداب، ليبقى السائل محتارا لماذا كل هذا؟ هل من أجل التعلم من الشرق؟ أو من أجل فهم عقيدته أو من أجل الاستفادة العلمية مما وصلت إليهحضارات الشرق، ثمَّ ما ميز الحركة الاسْتِشْرَاقِيَّة عبر تاريخها الطويل في صبرها على مسارها الذي لابد أن تكون وراءه أهداف مسطّرة ومخطط يرجى من بعده غايات

(1) أنور الجندي، معالم الفكر العربي المعاصر، ص 88.

(2) مالك بن نبيء، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ص 25.

68