محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٣٤

مورست على الشّعب الجزائري حرب الإبادة الشّاملة، وجرّبت فيه كلّ أنواع القهر والضّغط والتّنكيل، وكلّ أساليب التّليين والإغراء والتّغرير والخداع والمكر … التي يسعى الاستعمار بواسطتها إلى سلخ الأمّة من شخصيّتها، ووضعها في طريق التّبعيّة للآخر.

لقد حورب هذا الشّعب في دينه ولغته وعاداته وتقاليده، وفي كلّ مقوّماته، كما جرّد من حقوقه المدنيّة والشّرعيّة والسّياسيّة … وسلبت منه أراضيه وممتلكاته، وسلّطت عليه الضّغوط ليهجر بلاده، ويتخلّى عن أهله وذويه، وحُووِلَ انتزاع اعترافات منه بحقّ الاستعمار في أرضه، وفي خيرات بلاده ومؤسّساتها، وَحُمِلَ على التّنكّر لأصله وتاريخه، وربطه بأصول المحتلّ الدّخيل، وحورب في حياته؛ بتجويعه وتشتيت أفراده، وتمزيق وَحدته.

كان طول مدّة الاحتلال يقاوم هذه الأخطار، ويقف أمام كلّ أنواع الهجوم عليه ببسالة وشجاعة، ويستعمل في سبيل ذلك أساليب متنوّعة ومختلفة؛ من مقاومة مسلّحة، وانتفاضة شعبيّة، وتعبئة عامّة، بواسطة المسجد والمدرسة والنّادي والصّحافة، وتكوين هيئات، وتأسيس أحزاب … ثمّ عن طريق الكلمة الشّاعرة المسؤولة …

كلّ هذه المحاولات لم تمكّن الشّعب الجزائري من الظّفر بمراده، وهو نيل حريّته، واستقلاله. وإن عمّقت فيه الشّعور بضرورة الاستمرار في المقاومة، وتغيير أساليب المواجهة؛ حتّى كانت حوادث الثّامن من ماي 1945م، التي أقنعت الشّعب أنّ الحريّة لا يمكن الحصول عليها بغير طريق حمل السّلاح، واستعمال القوّة ضدّ المحتلّ. وقد عُدّت تلك الحوادث – بحقٍّ – النّواة الأولى لثورة نوفمبر؛ بما قامت به من تعبئة الجماهير لمواجهة المستعمر، والاستعداد كامل الاستعداد لذلك. فبعدها مباشرة ينشئ " حزب الشّعب الجزائري " المسمّى آنذاك " حركة انتصار الحرّيات الدّيمقراطية " " اللّجنة السّريّة) ( os"، التي تتحرّك بكلّ قوّة، وتطوّر العمل الثّوري في صفوف المناضلين.

تختفي هذه اللّجنة، لكنّ العمل الجهادي يستمرّ، فتتكوّن اللّجنة الثّوريّة للوحدة والعمل "، ومنها انبثق اجتماع الاثنين والعشرين (22)، الذين يكلِّفون ستّة من الأعضاء ليقوموا بالإعداد للثّورة التّحريريّة. يقول الأستاذ

٣٢ / ١٢٦