محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٣٩من وسطه، ومن أعماق ضميره وأحاسيسه، فلم تكن شرقيّة ولا غربيّة، بل كانت عربيّة إسلاميّة، تستمدّ مكوّناتها ومحتواها وروحها من القرآن والسّنّة وقواعد العمل الإسلامي بعامّة. فقد كان للعقيدة الإسلاميّة الدّور الكبير في تصعيد المقاومة، وترشيد العمل الثّوري، وتحديد الأيديولوجيّة والاستراتيجيّة.
بهذه المواصفات، وبهذه المرتكزات تتحوّل هذه الأيديولوجيّة إلى: " قوّة اجتماعيّة قادرة على فرض قِيَمها وأساليبها الثّورية، التي تهدف إلى تغيير الأوضاع الاجتماعيّة، واستبدالها بأوضاع جديدة، تحلّ محلّ الأنظمة البالية. "(1)
هذا ما حصل في الثّورة الجزائريّة، التي ارتكزت على الأيديولوجيّة السّياسيّة الإسلاميّة، فوحّدت كلمة الشّعب الجزائري، وهيّأته لخدمة الصّالح العام، ومضاعفة الجهود لإنجاح الثّورة، والتّمسّك بالعمل الجماعي، والالتفاف حول القادة والسّاسة، وتنفيذ الأوامر والبقاء في الخطّ الذي رسمته مواثيق جبهة التّحرير الوطني وبياناتها.
يقول أحسن بومالي: " والواقع إنّ ربط أيديولوجيّة جبهة التّحرير الوطني بالتّيّار العام للتّاريخ الوطني الجزائري لهو تسجيل لصيغة الاستمراريّة والدّيمومة، وإظهار لمجهود جماعي، أخذ أشكالاً عديدة متداخلة، منذ بداية القرن التّاسع عشر، وتكيّف أغلبه مع متطلّبات الكفاح الوطني؛ نتيجة استغلال بعض القيم الأصيلة، التي بقيت لها فاعليّة مستمرّة، بفضل امتحانها وسط التّجارب، وانتقاء أحسنها، لجعل منها مجموعة من القيم الضّرورية لبقاء الأمّة، وللدّفاع عن تراثها، وتنظيمها في فترة الحرب، وهذه القيم نفسها استثمرتها وعزّزتها جبهة التّحرير الوطني، بقيم ثوريّة أصيلة، يرجع إليها الفضل في استمرارية الثّورة المسلّحة، رغم الصّعوبات والأزمات التي اعترضت مسيرتها … "(2)
نحاول في يأتي سرد بعض المبادئ التي تبنّتها الثّورة التّحريريّة، بالاعتماد على ما جاء في بيان أوّل نوفمبر 1954م، الميثاق الأوّل لجبهة التّحرير
(1) - الدّكتور عمّار بوحوش، " خصائص الثّورة الجزائريّة مقارنة بالثّورات الكبرى في القرن العشرين "، مجلّة الدّراسات التّاريخية (معهد التّاريخ، جامعة الجزائر)، ع: 8، سنة 1993 - 1994م، ص: 105.
(2) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 58.