محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٣٨

أَمْرٍ … بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا(1)

هذه الثّورة بقوّتها وشدّتها أرْعَبَت العدوّ وأربكته، وكبّدته أفدح الخسائر، ولقّنته أقسى الدّروس في عدم الاستهانة بالمبادئ والطّاقات، وبِمصير الشّعوب وحقّها في الحياة. حتّى اندهش المسؤولون الفرنسيّون من قوّة جيش التّحرير، وبدا لهم الجيش الفرنسي بعتاده وعدّته وعدده ضعيفًا أمام إرادة الثّوّار والمناضلين المسلّحين بالإيمان والعقيدة، والإصرار على انتزاع النّصر واسترجاع الحريّة المسلوبة. وقد قال قائلهم: " لا يمكن أن يكون هؤلاء الشّياطين هم الآدميّين الذين عرفناهم هنا منذ قرون وثلث قرنٍ، ربّيناهم على الاستكانة، ودرّبناهم على الطّاعة، وقتلنا في نفوسهم الإسلام، وأمتنا على ألسنتهم العربيّة، وبشّرناهم بالمسيحيّة، وفصلنا بينهم وبين العرب في الأقطار الأخرى، فمنعنا دخول الكتب والصّحف والمجلاّت، وقطعنا أسباب المواصلات والمعاملات، وأردنا أن نجعلهم قلّة مستضعفة في البلاد، فسهّلنا الهجرة للفرنسيّين، وأسكنّاهم أطيب البلاد، وأقطعناهم أخصب الأرض، وملّكناهم مقاليد الأمور، حتّى أصبح الجزائريّون في رأينا مسوخًا من غير جنس ولا لغة ولا دين ولا تاريخ ولا تقاليد. لابدّ أن يكون هؤلاء المردة من جنس غير الجنس، ومن بلد غير البلد. "(2)

العمل الكبير في كلّ هذه الانتصارات وتحقيق هذا النّجاح الباهر، كان نتيجة الاعتماد على مبادئ راسخة أصيلة، والإصدار عن قواعد متينة مدروسة دراسة دقيقة. فما هي هذه المبادئ؟

إنّ جبهة التّحرير الوطني مفجّرة الثّورة وحاضنتها قد اعتمدت ايديولوجيّة خاصّة، وتبنّت مفهومات متميّزة، استمدّتها من الجذور التّاريخية للشّعب الجزائري، ومقوّماته الأصيلة. كما استوحت هذه الأيديولوجيّة وخطّتها من معاناة الشّعب، التي أوجدتها كثرة الهجوم وشِدَّتِه على شخصيّته وأصالته، والمساس بحريّته، والنّيل من كرامته.

كلّ هذه الممارسات المغرضة فرضت على هذا الشّعب الاستمرار في خوض نضال مستميت ضارٍّ. أي إنّ هذه الأيديولوجيّة كانت نابعة

(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1982م، ص: 30، 31.

(2) - الطّريق إلى نوفمبر … ،ص: 378. ينظر أيضًا جريدة المجاهد (جبهة التّحرير الوطني)، الجزائر، ع: 23، (25/ 07/1960م).

٣٦ / ١٢٦