محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٤١تبنّاه البيان، وعمل المجاهدون على تجسيده في واقع عملهم الثّوري، أكسب الثّورة مصداقيّة حسنة واضحة لدى الشّعوب الشّقيقة، وأعطى دفعًا قويًّا للنّشاط الجهادي؛ لأنّه كان مبنيًا على أسس صحيحة راسخة ثابتة، تحمي الثّورة من الانحراف عن الأصول، التي ينتمي إليها الشّعب الجزائري، وتضمن لها عدم الخروج عن طبيعة هذا الشّعب.
كانت مبادئ الدّين الإسلامي حاضرة في أغلب مراحل الكفاح الوطني. فقد حملت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين شعار " الإسلام ديننا والعربيّة لغتنا والجزائر وطننا ". كما أكّدت صحيفة " الجزائر الحرّة " التي صدرت في يوم 18 من أوت 1949م، وهي تمثّل " حركة انتصار الحريّات الدّيمقراطيّة " أكّدت في افتتاحيّة عددها الأوّل الطّابع العربي الإسلامي للوطنيّة الجزائريّة، جاء فيها: "الوطنيّة الجزائريّة مسلمة بدون تعصّب … إنّ روابط الشّعب الجزائري بالعالم العربي والإسلامي أمتن من الرّوابط التي أقيمت في هذا العصر مع فرنسا؛ لاعتبارات استراتيجيّة واقتصاديّة … بل هذه الرّوابط ما تزال قويّة، مثلما كانت في العهد الأموي. "(1)
جاء في الوثيقة الصّادرة في المؤتمر الثّاني لحزب الشّعب (حركات انتصار الحريّات الدّيمقراطيّة) الذي انعقد في الجزائر، في مطلع أفريل 1953م: احترام المعتقدات الدّينية؛ طبقًا لروح الإسلام وتقاليده، ثقافة وطنيّة مرتبطة بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة.(2)
ثُمّ انطلقت ثورة أوّل نوفمبر 1954م؛ لتثبّت هذا المبدأ الأساس في بناء الدّولة الجزائريّة المستقلّة، وذلك أنّها أعطت لنضالها ومسيرتها بعدًا دينيًّا، إلى جانب المضمون السّياسي: " فقد كان هناك تكامل عقائدي في ثورة أوّل نوفمبر 1954م، بين مفهوم الجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل تحرير الوطن. فالجهاد في كلا الحالين كان في نظرها
(1) - محمد عبّاس، الاندماجيّون الجدد، الكتاب الثّالث، مطبعة دحلب، الجزائر، 1993م، ص: 29.
(2) - المرجع السّابق، ص: 33. مع العلم أنّ الوثيقة تضمّنت خمسة مبادئ، لبناء الدّولة الجزائريّة المستقلّة.