محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٤٢لا يتجزّأ؛ ما دام يقوم على تكامل عقائدي، حيث أنّ الثّورة قامت لتحرير الوطن من جحافل الكفر والهيمنة الاستعماريّة في آن واحد."(1)
لكي تُضفَى على الثّورة الرّوح الإسلاميّة، وتُطبعَ بالطّابع الإسلامي، ويُنبَّه إلى ضرورة التّقيّد بالمبادئ الإسلاميّة في العمل الثّوري، لكي يُضمَن تحقيق كلّ ذلك أطلقت الثّورة اسم " المجاهد " على جندي جيش التّحرير الوطني، ورسّمت هذه التّسمية في مؤتمر الصّومام(2) فالكلمة إسلاميّة، أطلقها الله تعالى على كلّ من يناضل في سبيل الله، بأيّ نوع من أنواع النّضال والكفاح. قال تعالى: ﴿ … فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلى القَاعِدينَ دَرَجةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحٌسْنَى وفَضَّلَ اللهٌ المجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عظيمًا﴾ (سورة النّساء/ 95) وقال أيضًا: ﴿والذّينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت/ 69).
إنّ الالتزام بِمبدأ التّقيّد بالتّعاليم الإسلاميّة في العمل والتّحرّك– إلى حدّ بعيد – عبر مسيرة الكفاح الوطني بعامّة، أعْطى صفة الدّيمومة للنّضال، من دون النّظر إلى ما يكلّفه هذا الكفاح من التّضحيّات، وما يقف في طريقه من عقبات وأخطار، وأضفى على الاستشهاد بعدًا خاصًّا: " صار الاستشهاد من أجل العقيدة يعطي الكفاح المسلّح بعده الثّوري، عن طريق تأكيد التّواصل الكامل بين الجيل الماضي والجيل الحاضر وأجيال المستقبل. "(3)
بسبب استمساك المجاهدين بهذه الرّوح، والإصدار عن هذا المبدأ، والانطلاق من العقيدة، والاحتماء بها، تمكّن المجاهدون من المحافظة على طاقاتهم النّضاليّة والانتصار على العدوّ في المعارك الضّارية، التي خاضوها معه، رغم امتلاك الاستعمار الوسائل الضّخمة، واستعماله أساليب جهنّميّة متطوّرة في القمع والتّنكيل والرّقابة والتّرصّد. قال الأستاذ محمد الصّالح الصّدّيق: " وكان السّؤال الذي يبادر به كلّ من يتحدّث عن المجاهدين الأبطال في الجزائر هو هذا: ما سرّ هذه القوّة التي جعلت من قلّتهم كثرة، ومن ضعفهم قوّة، ومن تشتّتهم وَحدة، ومن
(1) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 59.
(2) - المرجع السّابق، ص: 56.
(3) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 56.