محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٩

يحصل إلاّ عن طريق حمل السّلاح، واستعمال القوّة ضدّ من أخذ منه حقّه بالقوّة، وأذاقه ألوان النّكال والقهر.

وجدنا الشّعراء يدعون الشّعب إلى الثّورة، ويلحّون في الطّلب؛ لأنّ المستعمر لم يعد يفهم سوى هذا الأسلوب، ولا يمكن أن يقنع إلاّ بالقوّة، فلا ضمان للعيش الكريم إلاّ باستئصال شأفة المستعمر، وعدم قبول أنصاف الحلول. غير أنّ الدّعوة إلى الثّورة قد ظهرت بأشكال مختلفة، حسب الظّروف المواتية، فكانت أحيانًا تلميحًا بالتّحرّك، وإيماءً بالثّورة، واطّراح خلق اليأس والقنوط ..

قام الشّعر بدور كبير في التّحضير للثّورة؛ بتهيئة النّفوس وتعبئتها للثّأر لكرامتها التي أهدرت كثيرًا مدّة جثوم الاستعمار على أرض الجزائر، وبخاصّة بعد حوادث ماي الأليمة، ومجازره الشّنيعة. إنّ هذه الأشعار حرّكت الهمم، واستفزّت المشاعر؛ فدفعت الجماهير كي تتقدّم لتحمل بقوّة على الغاصب المتغطرس المستبدّ، وتثور عليه ثورة عارمة. وقد تأكّد لديها أنّ أسلوب الاسترحام واستدرار العطف، لم يعد مجديًا، وأنّ التّعلّق بالوعود أصبح ضربًا من العبث؛ لأنّه تعلّق بسراب، إذن لا يبقى إلاّ منطق القوّة وسيلة للتّحرّر. هذا ما أقنع به الشّعرُ الشّعبَ. تقول د. نور سلمان: " حمل الشّعر قبيل الثّورة إرهاصاتها، معبّرًا عن النّقمة والتّململ الرّافض، فصوّر الأوضاع الفاسدة والقلق والتّوتّر، وساهم في الوثبة، مجاهرًا بتسميتها وثبة كفاح وحرب، بعد أن قصر الكلام والحوار السّياسي عن تحقيق الهدف."(1)

لقد " أسهمت الكلمة الشّاعرة في تفجير الثّورة بعد التّعبئة التي قامت بها، وهي تعبئة نهضت على أساليب متعدّدة، ومسّت نواحي عديدة. فالشّعراء في عملهم هذا قاموا بفضح دسائس الاستعمار، واتّجهوا إلى الرّمز والمناجاة حين لا يجدي التّصريح، ولا تنفع المواجهة، وأعلنوا عن التّذمّر والسّخط من الأوضاع المتردّية والمتدهورة أخلاقيًّا وسياسيًّا ونفسيًّا، كما كانوا من حين إلى حين يشيدون بالأعمال المسرّة، ويغتالون معنويّات العدوّ أمام الشّعب، ويركّزون على قوّة أبناء الإسلام الكامنة؛

(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، كانون الثّاني (يناير) 1981م، ص: 324.

٦٦ / ١٢٦