محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٨

ثمّ كانت جهود الحركات الإصلاحيّة وجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، وكانت معركة العلم والتّربية والأخلاق والتّوجيه؛ للوقوف أمام هجوم المستعمر المتكرّر على الهويّة الوطنيّة والانتماء العربي والإسلامي، والارتباط بالماضي العريق. وكانت وسائل التّعبير والرّفض والمقاومة في هذه المرحلة هي الجمعيّات والنّوادي والكتب والمؤلّفات والصّحافة الوطنيّة، والتّعليم والإرشاد والوعظ، والأدب بكلّ أشكاله، التي أتيح التّعبير بها في تلك المرحلة. ثمّ كانت التّعبئة السّياسيّة، وكانت الحركات الوطنيّة والتّنظيمات السّياسيّة، التي عملت كلُّ واحدة منها حسب برنامجها السّياسي واجتهادها، وكلّها كانت هادفة إلى إخراج الجزائر من محنتها ومأساتها.

كانت كلّ مرحلة من هذه المراحل تستفيد من سابقتها: اقتراحًا لأساليب الكفاح، وتداركًا للأخطاء التي ارتكبت في تجربة سابقة، وتصحيحًا لبعض المفهومات … حتّى جاءت ثورة التّحرير الكبرى التي استفادت من الأعمال السّابقة، والتّعبئات المتقدّمة، فَبَنَتْ بذلك قاعدة ثوريّة متينة، انطلق منها الشّعب بكلّ حماسة؛ ليسترجع سيادته الوطنيّة، بعد حرب ضروس، وتضحيّات جسام.

قام الشّعر بدور كبير في التّحضير والتّهيئة لهذه الثّورة الكبرى، بالتّعبئة العامّة، وإذكاء الحماسة في الشّعب، تقول الدّكتورة نور سلمان " حمل الشّعر قبيل الثّورة إرهاصاتها، معبّرًا عن النّقمة والتّململ الرّافض، فصوّر الأوضاع الفاسدة والقلق والتّوتّر، وساهم في الوثبة، مجاهرًا بتسميّتها وثبة كفاح وحربٍ، بعد أن قصر الكلام والحوار السّياسي عن تحقيق الهدف."(1)

نظرًا لأهميّة الدّور الذي قامت به الكلمة والعبارة الشّاعرة، فإنّنا نتوقّف قليلاً عند إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري؛ لنبيّن الدّور الخطير الذي قامت به الكلمة المسؤولة.

أشكال إرهاصات الثّورة

لقد كانت حوادث الثّامن من سنة 1945م بداية للتّحوّل في الكفاح الوطني؛ بانتهاج أسلوب أكثر واقعيّة ونجاعة في الاقتراب من الهدف

(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1981م، ص: 324.

٨ / ١٢٦