محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٩

المرسوم، وهو الظّفر بالحياة الكريمة، بعد الحصول على الحريّة. تقول الدّكتورة نور سلمان: "وكانت أحداث مايو نقطة انطلاق جديدة في تاريخ الحركة الوطنيّة الجزائريّة، إذ صعّدت النّقمة الشّعبيّة، وكتّلت العناصر الرّافضة في طريق الثّورة. إنّها بداية اليقظة والفاصل التّاريخي بين فترة التّردّد وفترة القتال، ولقد حرّكت المأساة قرائح الشّعراء، فجاهروا في شعرهم بنقمتهم وبدعوتهم إلى الكفاح من أجل الحريّة والاستقلال، فتَحوَّل الشّعر مع الحركة الوطنيّة من موقف الرّفض والدّفاع إلى الدّعوة للهجوم والحرب."(1)

لا يُفهَم من هذا التّعليق أنّ ما قدّم قبل هذه المحطّة التّاريخيّة من كفاح الجزائريّين يفتقد إلى تلك المواصفات التي سجّلتها نور سلمان في الفقرة السّابقة، إنّما تطوّر الأحداث، وتوفّر الوسائل وتغيّر الظّروف .. والتّجارب المكتسبة في الميدان والممارسات المتكرّرة .. تضيف وتعلّم وتصحّح … وهو ما سمح لفترة ما بعد حوادث الثّامن أن تطبع النّضال بالطّابع الذي أشارت إليه نور سلمان ..

ذلك لأنّ هذه الحوادث كانت مأساة حقيقيّة، خلّفت في قلب كلّ جزائري جراحات لا تندمل، وذكرى لا تنسى؛ إذ كانت نكسة كبيرة في الآمال التي كان يعلّقها الجزائريّون في الأقوال التي كانت فرنسا قد تلفّظت بها، حين دعت الوطنيّين لمساعدتها ونصرتها على غريمتها ألمانيا، وقد كان الوعد جائزة ثمينة غالية، هي الحريّة والانعتاق. إلآّ أنّ هذا الحلم قد طال تحقيقه، وهذه الغاية قد تأخّر الحصول عليها.

كانت الحوادث نكبة كبيرة على الجزائريّين؛ نتيجة ما تركته من ويلات ومصائب، حيث ثكلت الحركة الوطنيّة، وقتلت العشرات من قادتها ومسيّريها، وفتكت بالآلاف من المواطنين، الذين تحرّكوا مطالبين بحقوقهم المسلوبة، ومنادين بحقّهم في العيش، والاستفادة من خيرات بلادهم.

كان وقع هذه المجازر شديدًا على نفوس الشّعراء – كغيرهم من بقيّة المواطنين – ولهذا عُنوا بتصوير وحشيّة المستعمر أحسن تصوير، والتّعبير عن تذمّرهم أبلغ تعبير. فمحمد العيد آل خليفة مثلاً يخترق جدار

(1) - المرجع السّابق، ص: 319، 320.

٩ / ١٢٦