محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٨٩

بالحياة المصوّحة، نفورك من خضراء الدّمن. وتلك معجزة الثّورة التي فجّرت النّور من النّار … "(1)

كما تبرز البطولة والشّجاعة اللّتان حرص الشّعراء على إبرازهما - إذكاء للحماسة في نفوس الوطنيّين لمواصلة الكفاح، وتوفيرًا لمزيد من وقود الثّورة على الغاصب الجائر المستبدّ - في هذا التّحدّي الذي أبداه مفدي زكريّاء في الاستهانة بأنواع التّعذيب والتّنكيل، التي يمارسها العدوّ ضدّه، وفي السّخريّة بالسّجن بِخاصّة. الذي ألفه وعرفه وخبره خبرة جيّدة لطول مكوثه فيه، وكثرة تردّده عليه، قال في السّجن سنة 1956م:

سيّان عنديَ، مفتوح ومنغلق … يا سجن بابُك أمْ شُدّت به الحلق

أم السّياط بها الجلاّد … يُلهبني … أم خازن النّار، يكويني فأصطفق

والحوض حوضٌ وإن شتّى منابعه … ألقى إلى القعر، أم أُسقى فأنشرق

سرّى عظيم فلا التّعذيب يسمَحُ لي … نطقًا، وربّ ضعاف دون ذا نطقوا

يا سجن ما أنت؟ لا أخشاك تعرفني … من يَحذق البحر لا يُحدق به الغرق(2)

غدا التّغنّي بالبطولة وتسجيلها بهذا الوعي الكبير، والإشادة بالتّحدّي، رسالة يقوم بها الشّاعر وشعبُه يواجه أقسى الامتحان في ميدان المقاومة، ويقابل أعتى الأسلحة في ذلك، وأشدّ المواقف حرجًا وقساوة … يصارع كلّ ذلك بإمكانات ضعيفة جدًّا، بفضل قوّة الإيمان والإرادة، يغذّيهما وينمّيهما تشجيع الشّعراء، وتنمّيهما حماسة المجاهدين. فكان للأرض التي تحتضن هذه البطولات نصيبٌ من هذه الإشادة، ومجال لذكرها، قال صالح باوية:

في الذّرى، في الحقل، في كوخ الصّديقه

(1) - الشّعر الجزائري، ص: 243، 244.

(2) - اللّهب المقدّس، ص: 20، 21.

٨٥ / ١٢٦