فيض الأنوار في الصلاة على النبي المختار
الجزء ١ · صفحة ٤٩التَّشَهُّدِ: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحِمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، والجُمْهُورُ أبْقَوْا لَفْظَهُ عَلى اللَّفْظِ الَّذِي كانَ في حَياةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَعْيًا لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ حَيٌّ يَبْلُغُهُ تَسْلِيمُ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ.
ومِن أجْلِ هَذا المَعْنى أُبْقِيَتْ لَهُ صِيغَةُ التَّسْلِيمِ عَلى الأحْياءِ، وهي الصِّيغَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ فِيها لَفَظُ التَّسْلِيمِ عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ، لِأنَّ التَّسْلِيمَ عَلى الأمْواتِ يَكُونُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِعَلى لَفْظِ السَّلامِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلَّذِي سَلَّمَ فَقالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ: " إنَّ (عَلَيْكَ السَّلامُ) تَحِيَّةُ المَوْتى، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ».
والتَّسْلِيمُ مَشْهُورٌ في أنَّهُ التَّحِيَّةُ بِالسَّلامِ، والسَّلامُ فِيهِ بِمَعْنى الأمانِ والسَّلامَةِ، وجُعِلَ تَحِيَّةً في الأوَّلِينَ عِنْدَ اللِّقاءِ مُبادَأةً بِالتَّأْمِينِ مِنَ الاعْتِداءِ والثَّأْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، إذْ كانُوا إذا اتَّقَوْا أحَدًا تَوَجَّسُوا خِيفَةً أنْ يَكُونَ مُضْمِرًا شَرًّا لِمُلاقِيهِ، فَكِلاهُما يَدْفَعُ ذَلِكَ الخَوْفَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ مُلْقٍ عَلى مُلاقِيهِ سَلامَةً وأمْنًا، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ هَذا اللَّفْظُ دالًّا عَلى الكَرامَةِ والتَّلَطُّفِ، قالَ النّابِغَةُ:
أتارِكَةٌ تَدَلُّلَها قَطَامِ … وضِنًّا بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ