فيض الأنوار في الصلاة على النبي المختار
الجزء ١ · صفحة ٥٠ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى (وسَلِّمُوا) غَيْرَ مُجْمَلٍ ولا مُحْتاجٍ إلى بَيانٍ، فَلَمْ يَسْألْ عَنْهُ الصَّحابَةُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقالُوا: هَذا السَّلامُ قَدْ عَرَفْناهُ، وقالَ لَهم: " والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ "، أيْ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ مِن صِيغَةِ السَّلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ومِن ألْفاظِ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ.
وإذْ قَدْ كانَتْ صِيغَةُ السَّلامِ مَعْرُوفَةً كانَ المَأْمُورُ بِهِ هو ما يُماثِلُ تِلْكَ الصِّيغَةَ أعْنِي أنْ نَقُولَ: السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ، أوْعَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَوَجُّهٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى النَّبِيِّ بِخِلافِ التَّصْلِيَةِ(1) لِما عَلِمْتَ مِمَّا اقْتَضى ذَلِكَ فِيها.
والآيَةُ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِشَيْئَيْنِ: الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - والتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَقْتَضِ جَمْعَهُما في كَلامٍ واحِدٍ، وهُما مُفَرَّقانِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ، فالمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، بِأنْ يَقُولَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتِي في جانِبِ التَّصْلِيَةِ بِصِيغَةِ طَلَبِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وفي جانِبِ التَّسْلِيمِ بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ بِمَنزِلَةِ التَّحِيَّةِ لَهُ،
(1) التصلية: الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا من باب النحت في علوم العربية، وهي نظريّة ابن فارس.