الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ١٩٦الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
والمرعي، فإن تركتموني طوعًا نزلت في قطر من البلاد وحمدتكم، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، وإن قاتلتموني قاتلتكـ ثم إن ظهرت قتلت المقاتلة وسبيت الذراري، ولم أترك أحدًا منكم ينزل عُمان أبدًا، فأبت الفرس أن تتركه طوعا، وجعلت تستعد لحربه وقتاله، وأن مالك بن فهم قام في مُدَّته تلك بناحية الجَوْف، حتَّى أراح واستراح، واستعد لحرب الفرس، وتأهب للقائهم، وحفر بناحية الجوف الفَلَجَ الذي بمَنَح اليوم، الذي يُعْرَف بفلج مالك، وكان معسكره هناك، إلى أن استعدت الفرس لحربه، وقتاله، ثم إنَّ المَرْزُبَان أمر أن ينفخ في البوق، الذي يؤذن فيه بالحرب، وأن يضرب الطبل، وركب في جنوده وعساكره، وخرج من صحار في معسكر جمّ يقال إنه كان زهاء أربعين ألفا، ويقال: ثلاثون ألفا، وخرج معه بالفيلة، وسار يريد الجَوْف في لقاء مالك بن فهم الأزدي ومن معه من الأزد، فجمع عسكره وأصحابه من الأزد، وغيرهم من أحياء قضاعة، وكان في زهاء ستة آلاف فارس وراجل على مقدمته ابنه هناءة بن مالك في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها، وأقبل نحوهم في تلك الهيئة حتى أتى صحراء سَلُّوت، فعسكر بإزاء عسكر المرزبان، فمكثوا يومهم ذلك إلى الليل، ولم يكن بينهم حرب ولا قتال، ثم إن مالك بن فهم، بات ليلته تلك يعبّئ أصحابه، يمنة ويسرة، وقلبًا، ويكتب الكتائب، ويوقف فرسان الأزد مواقفهم؛ فولى الميمنة هناءة بن مالك، وولّى الميسرة ابنه فَرَاهِيد بن مالك، وصار هو في القلب؛ في أهل النَّجْدة والشِدَّة من أصحابه، وبات المَرْزُبان يعبئ ويكتب كتائبه، حتى إذا أصبحوا توافقوا للحرب، وقد استعد كلا الفريقين، وركب مالك بن فهم فرسا له أبلق، وظاهر بين درعين، ولبس عليها غلالة حمراء، وتَكَمَّمَ على رأسه بكمة حديد، وتعمم عليها بعمامة صفراء، وركب معه ولده وفرسان الأزد على تلك التعبئة، وقد تقنَّعوا بالدُّروع والبيض والجَوَاش، فلا يُبْصَرُ منهم الا الْحَدَق، فلما توافقوا للحرب جعل مالك بن فهم يدور على أصحابه راية راية، وكتيبة كتيبة، ويقول: (يا معشر الأزد أهل النجدة والحفاظ، حاموا عن أحسابكم، وذبوا على مآثر أبائكم، وقاتلوا، وناصحوا ملككم وسلطانكم؛ فإنكم إن انكسرتم وهزمتم، اتَّبَعكم العجم في كافة جنودهم، فاختطفوكم، واصطادوكم بين كل حجر ومدر، وباد عنكم ملككم، وزال عنكم عزمكم وسلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب،
196