الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

216

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

شعريَّة استحسنها المفضل، فسأله عن قائلها، فعلم منه أنها لضرار بن الخطاب الفهري، تمثل بها علي بن الحسين، ثم زيد، ثم يحيى بن زيد، فتطير المفضل له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل، وتحرّك إبراهيم مع جماعته إلى بَاخَمْري وهناك أتاه نعي أخيه محمد، فأجهش فى البكاء، فأخذ المفضل يعزيه ويلومه على ما يُظْهِرُه من الجزع، وفي كل موقف كان إبراهيم يتمثل بشعر، حتى إذا التحمت الحرب واشتدت، قال للمفضل: حركني بشيء، فجاء دور المفضل وهو الدور الطبيعي للرواية - لينشده شعرًا، فأنشده أبياتًا لعُوَيْف القَوَافِي، وأعادها عليه مرتين، فتمطى في ركابيه، فقطعهما، وحمل فغاب عني، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به ذلك هو موجز القصة عن اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم، وليس ثمة ما يجعلنا نتشكَّك فيها، وإن جاءت من بعض الطُّرُق بصيغة التمريض، ويقال: إن المفضل بن محمد خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد تعارض القصة بعفو المنصور عنه، فيقال: كيف يعفو عنه وقد كان له دور مهم في الأشهر القليلة من عمر تلك الثورة؟ والجواب على ذلك أن المنصور لم يحاول أن يستقصي بعد إذ قضى على رأسي الثورة؛ إذ كان يعلم أن الاستقصاء سينال كثيرًا من المثقفين في عصره، ولهذا اكتفى بالنصر الحربي، وشمل كثيرين بالعفو، ومنهم المفضل، الذي لم ينل عفوا وحسب، بل أصبح بعد هدأة النُّفوس مؤدبًا للمهدي، ومنذ هذه اللحظة تحولت حياته، فانتقل إلى بغداد، مع كثيرين غيره من علماء الكوفة والبصرة، وكانت هذه المرحلة البغدادية أخصب فترة من العطاء في حياته، وفيها تقرر اتجاهه نحو الشعر والأخبار، وفيها فيما أقدر كثر من حوله طلاب العلم والأخذون عنه مثل الفراء والكسائي والمدائني وأحمد بن مالك القشيري وأبي كامل الجحدري ومحمد بن عمر القصبي وأبي عمرو الشيباني وعمر بن شبة» (1).

-

(1) المفضل بن محمد بن يعلي بن سالم الضبي، أمثال العرب، تح: إحسان عباس. (دار الرائد العربي، بيروت - لبنان، ط الثانية، 1403 هـ = 1983 م)، ص 13 وما بعدها.