الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٣١١

311

did

مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية

GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic

والكامل … ، لتجد أن أكثر مادتها فيما يتعلق بالعصر الأول والثاني للهجرة، كان المربد ميدانه وينبوعه وخذ إن أردت كتب التاريخ الكبرى كالطبري -مثلا-، ثم أبلغ في فهرس أماكنه إلى المربد، يأخذك العجب من كثرة المواطن التي ورد ذكر المربد فيها، مع أن الكتاب كتاب سياسة وأخبار ملوك، لا كتاب عامة وأدب، فمن المربد، وعلى هامشه غُذّي الأدب بقصص وأساطير، وغُذِيَ التاريخ بالأخبار الواقعة، ووضع من وضع من الرُّواة والأخباريين أحاديث حاكوا بها ما وقع. وفي حلقاته اصطرعت الأهواء المتباينة، والنزعات المتضاربة، استغلها الشعوبيون والمنافحون عن الحقائق - على السواء، وشهدت هجومًا من أولئك، ودفاعا من هؤلاء، والغريب أن هذا المربد لم يكتف بأن يستأثر بكل ميزة كانت لعكاظ، بل جمعها وضم إليها ميزات جديدة، أفادها من خصائص عصره وطبيعة اجتماعه، فإن كانت في عكاظ حروب موضعية بين قبيلتين، فإنَّ المربد كان ميدانا لأكبر فتنة وأشدّ حرب داخلية، وقف فيها المسلم أمام المسلم يكافحه بسيفه ويشرع إليه رمحه كان المربد ميدانا لإحدى مواقع الجمل؛ أول حرب فرقت كلمة هذه الأمة المخيفة، وجعلت بأسها بينها وكانت حلقة أولى في هذه السلسلة الطويلة التي نخرت الجسم الإسلامي، ومكنت عدوه منه، وكانت أفتك به من كل حرب صليبية، وغارة تترية ووحشية أوروبية)) (1)، بعدها يتحدث عن الأدوار التي مرَّ بها؛ في العصور الإسلامية المختلفة، قائلا: «أستطيع أنْ أُقسّم الكلام على المِرْبَد أقسامًا ثلاثة، كان شأنه في كلّ منها مختلفًا، أمَّا الأول فعلى عهد الراشدين؛ إذ كان يقتصر أمره على التجارة غالبًا، وإنْ لم يعدم يومًا أن كان ساحة حرب ومسرح مآسٍ. وقد عرفنا مما ذكر الطبري (ت 310 هـ / 923 م) أَنَّ به موضعا للدباغين، فالمِرْبَد إذن سوق البصرة أيام الراشدين، وأغلب ما يُتاجر فيه التمر وما إليه، والإبل والسلاح، والغنائم، مما كان يُقسم على المحاربين فيبيعه هؤلاء في المربد، ثم يأتي العهد الثاني أيام الأمويين، وقد اتسعت السوق وكثر قاصدوها من الأطراف، وازدهت بالشعراء والأدباء والعلماء ووفود القبائل، مما لم يكن في العهد الأول؛ لانشغال الناس آنئذ بالجهاد والفتوح، وعدم الفراغ لهذه الألوان من الأدب التي لا تغزُر وتتهيأ إلا بعد استتباب حال الدولة ولم نعهد حركة أدبية نشأت إبان الفتوح حين تتأسس الدول، وازدان هذا العهد

(1) سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني، أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، ص 407 وما بعدها.